Wednesday, February 10, 2010

موقع القدس في القضية الفلسطينية


امير مخول

عندما نتعامل مع مركّب من القضية الفلسطينية فهناك أهمية قصوى ان نتعامل معه ضمن سياق القضية العام وليس كقضية بحد ذاتها او كأنها مركّبا منعزلا عنها. السياق العام للصراع وللغبن التاريخي واستلاب الحق هو ما يرسم حدود القضية لا توازنات القوى السائدة. وجدير التنبيه هنا ان التعامل التجزيئي مع القضية الفلسطينية يقود الى متاهة يغيب فيها الحق الفلسطيني ويجري فيه تغييب لجوهر اسرائيل الاستعماري وحماية له.
موقع القدس ضمن القضية الفلسطينية هو مركّب من مركبات الصراع مع المشروع الصهيوني الاستعماري، وهو جزء من هذا الصراع. ويأخذ حيّزا خاصا في النقاش كون القدس شكلت تكثيفا للرمزية ضمن حركة التحرر الوطني الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني والذي بدوره تعامل مع القدس كمركّب اساسي في بناء بنيته واسطورته. أي ان موقع القدس في القضية الفلسطينية يتناسب طرديا مع مركزية موقعها في المشروع الصهيوني للاستيلاء على فلسطين وتهجيرها وسلب الوطن وتهويده. ان تعزيز صمود وقوة أي جزء من الشعب الفلسطيني هو تعزيز لقوة الشعب الفلسطيني كله ونضاله من اجل إستعادة الوطن واستعادة حقوقه. وسنعود الى ذلك لاحقا.
القدس في قلب القضية الفلسطنية وعنوان لوحدة شعب. وهي ايضا عنوان لدور جماعي للأمة العربية. لكن ما يجري على ارض الواقع ان النظام الرسمي الفلسطيني والنظام الرسمي العربي لا يملكان مشروع تحرر ولا مشروع بناء أمة ولا بناء شعب. واستعاضا عن البعد العربي الاستراتيجي للمسألة الفلسطينية كقضية عربية بالولاء الكامل للمشروع الامريكي الاستعماري المهيمن على المنطقة والذي حدد ركيزته الاستراتيجية اسرائيل.
من المهم التأكيد ان المعركة على القدس لم تحسم بعد، ولو كانت محسومة في حسابات اسرائيل لما انشغلت فيها ليل نهار. مع ان اسرائيل تقودها لتبرير مجمل المشروع الاستيطاني. المعركة على القدس لم تحسم لصالح الاحتلال ويجب ان يكون الدور الفلسطيني والعربي والاسلامي والعالمي منعها من ان تحسم لصالح الاحتلال كمقدمة للتحرر منه، لكن قولنا ان المعركة لم تحسم لا يعني ان القدس بخير وان نتائجها مضمونة، وهنا يأتي دورنا كشعب وهنا مسؤوليتنا وهذا ما يتطلب تحديده.

وقبل الدخول في معادلة الصراع مع المشروع الصهيوني فمن الاهمية الاشارة الى أن القدس تبقي البعد العربي والاسلامي حيا. فهي جامع للمشروع التحرري سواء من منطلق وطني فلسطيني ام قومي عربي أم اسلامي. وبناء عليه فان فلسطين بحاجة الى القدس لمعركة التحرر والقدس تتحرر ضمن فلسطين وليس منعزلا عنها.
التخلي الفلسطيني الرسمي عن المقاومة كخيار استراتيجي وحق اساسي ومشروع للشعب الفلسطيني يجعل وسائل تحرير القدس غير ممكنة ما دامت المعطيات المحلية والاقليمية والدولية الحالية قائمة. كما لا يمكن تسمية نهج المفاوضات الفلسطيني القائم بأنه إدارة صراع، في حين ان إسرائيل تتعامل في مفاوضاتها بمفهوم إدارة الصراع الذي يتيح لها تغيير الواقع على الارض واللعب على عامل الوقت والقوة وفرض الحقائق على الارض. ومثل هذا الوضع لن يؤدي الى تحرير القدس. ويصبح الواقع أسوأ بغياب مشروع قومي عربي وعمليا استبعاده ايضا من قبل السلطة الفلسطينية ومن النظام العربي العربي الرسمي والاستعاضة عنه بمشروع امريكي مهيمن على المنطقة ويستكين جراء غياب الفعل العربي.
وهناك اشكالية جدية في التعامل الشعبي العربي ايضا والتي بحاجة الى الالتفات وهي تحوّل الفعل العربي الشعبي الى محدود الأثر سياسيا وتنامي النزعة الخيرية فيه. أي التعامل من باب التعاطف والشفقة مع ضحايا الاحتلال ومد يد العون لهم بدلا عن مشاركتهم معركة المقاومة والتحرر من الاحتلال. فالعمل الخيري ان اصبح بديلا عن المقاومة غالبا ما يقود الى إضعاف المقاومة لا تقويتها واحيانا الى إفساد قطاعات منها، مع التأكيد على النوايا الخيّرة لأصحاب الخير وعلى الحاجة الى هذا الدعم لكن ليس كمسار وحيد لتقاسم المسؤولية.
اشكالية خطيرة أخرى في التعامل الشعبي والرسمي العربي، هي الركض وراء الجريمة الاسرائيلية الآنية والانشغال بها لدرجة إضاعة الجوهر. وهو ما حدث بداية العام 2009 خلال العدوان على غزة. عندما نفذت اسرائيل عدوانها على غزة "الرصاص المصبوب" ، فان عيون الفلسطينيين والعالم العربي والمؤسسات الخيرية والعالم كانت على غزة وهذا مهم وضروري وأخلاقي. لكن غالبيتها رفضت الالتفات الى ما يجري في جبهات اخرى، حيث التصعيد الخطير لسياسة الملاحقات السياسية لاسكات صوت وحراك فلسطينيي ال48 مناهضة للعدوان على غزة، وفي جبهة اخرى حيث كانت بلدوزرات الاستيطان الاستعماري تعمل دون توقف في القدس مستغلة انشغال العالم بغزة. وهذا ينبغي ان يكون درسا للمستقبل بأهمية التعامل بكل المسارات وعدم إتاحة المجال لاسرائيل التحكم بقواعد اللعبة.

كتل دولية كبرى لم تنجح في ايقاف المعتدي او انقاذ ضحايا الاحتلال ا1ا غابت ارادة ايقاف المعتدي. فحتى الاتحاد الاوروبي الذي درج على الدور الاقتصادي والدعم، أصبح دوره في لحظات حاسمة اعادة تمويل بناء ما يهدمه العدوان الاسرائيلي بدلا من معاقبة اسرائيل وفرض قواعد لعبة جديدة عليها تلزمها بالانصياع للحق وللقانون الدولي. وعليه لا نعوّل كثيرا على موقف الاتحاد الاوروبي الاخير الذي نشر عنه مؤخرا حول الاعتراف بالقدس "عاصمة للدولة الفلسطينية ايضا". في حين ان الموقف العربي المتوخى والمسؤولية العربية تتطلب المشاركة وتقاسم الهم في عملية التحرير.

بوادر حراك متجدد
في الوضع الراهن هناك أهمية قصوى للمقاومة الشعبية التي تبدو ملامحها على الارض المقدسية في مواجهة سياسة الهدم والاقتلاع والتهويد وفي خيمات الاعتصام والصمود وفي الائتلافات والحراك الأهلي المقدسي وفي دور الحركة الداخل الفلسطيني وبالذات الحركة الإسلامية في الدفاع عن القدس ومقدساتها،
وفي مواجهة سياسة العزل الاحتلالية والخنق وإسكات صوت المقدسيين ومحاولة مصادرة الحق الفلسطيني في القدس فإن الحراك المقدسي هو المحرّك الأهم. ومهمة استدامته هي مسؤولية يستطيع كل فلسطيني الاسهام بها.
وعندما نتحدث عن تواطؤ دولي رسمي داعم لاسرائيل على حساب ضحاياها، فذلك صحيح وهو مسؤولية المجتمع الدولي، لكن التواطؤ سيتعزز مقابل كل تراجع فلسطيني او عربي. وبالذات في القدس حيث تحاول اسرائيل ان تلعب في اكثر من مسار بتزامن. من ناحية تحاول ان تثبت للعالم بأن الضم نهائي ولا تراجع عنه وكل من يظن غير ذلك سيصطدم بإجماع إسرائيلي وضعف فلسطيني رسمي. والمسار الأخر المنفذ حاليا وهو ان تظهر للعالم انها معركة لا تنازل اسرائيلي فيها ومستعدة على مواجهة الادارة الامريكية في موضوع القدس مستغلة قواعد لعبة السياسة الامريكية الداخلية وتوازناتها، وفي حال حققت تفاهما مع الادارة الامريكية فذلك مكسبا اسرائيليا يمنح مشروعها الشرعية الضمنية حتى وان لم تكن القانونية، واضافة اليه تتخلص من المواجهة في وضع أصعب لاسرائيل ألا وهو مجمل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
المقاومة الشعبية المقدسية تؤكد للشعب الفلسطيني أولا ولاسرائيل ثانيا وللعالم ثالثا ان المعركة على القدس غير محسومة. وان المجتمع الدولي ملزم بالتعامل مع القدس كمنطقة محتلة وهذا ما يجري على ارض الواقع حاليا بعد ان تراجع في السنوات الاخيرة وبالذات في الفترة التي أعقبت إغلاق بيت الشرق ووفاة قائد الحراك المقدسي في حينه فيصل الحسيني.
والدور العربي ودور الفلسطينيين كشعب كل في موقعه وفي القدس هو تحديد هدف تعزيز المقاومة الشعبية ومقاومة الاحتلال في القدس كهدف استراتيجي ومشروع يتطلّب مدّه بكل مقومات النجاح. وفي الاساس مقومات الصمود والتكافل بكل المتطلبات المادية والمعنوية والحيلولة دون عزل اسرائيل للقدس ومساعي استبعادها عن المناطق المحتلة، وهي الصيغة التي عبر عنها نتنياهو في خطابه اواخر نوفمبر حول البناء في المستوطنات والذي جاهر فيه باستبعاد أي تجميد مؤقت او غير مؤقت للبناء في القدس المحتلة والتي يعتبرها عاصمة اسرائيل الابدية. ورغم ضيق المجال امام التحرك الشعبي العربي فانه يبقى ضروريا سياسيا وقوميا واخلاقيا وان لم يكن قادرا تحقيق أثر سياسي واضح لكنه يبنى عليه في عملية مراكمة الحراك المقاوم.
ومهما حاولنا التفتيش عن بدائل فلن يكون محركا للوضع غير هذه المقاومة. وهو ليس قانون نضال مقدسي بل في كل مكان في شعب مظلوم وكيان ظالم. وهذا ما تثبته خيمة السيدة أم كامل وخيمات الاعتصام في الاحياء المختلفة. وفي المعركة على نعلين وبلعين فان نموذج المقاومة يضمن الصمود وتعطيل مخططات الاحتلال. ويستقطب التضامن والحراك محليا وعالميا.
القدس قضية شعب وقضية أمّة – قضية ليست قضية المقدسيين وحدهم وليست قضية الضفة او القطاع وحدهم فهي قضية اللاجئين وقضية فلسطينيي ال48 كما كل جزء من فلسطين.
لو كانت المعركة محسومة في حسابات اسرائيل لما انشغلت فيها ليل نهار. المعركة على القدس لم تحسم لصالح الاحتلال والدور الفلسطيني والعربي والاسلامي والعالمي هومنعها من ان تحسم لصالح الاحتلال كمقدمة للتحرر منه، لكن قولنا ان المعركة لم تحسم لا يعني ان القدس بخير وان نتائجها مضمونة، وهنا يأتي دورنا كشعب وهنا مسؤوليتنا وهذا ما يتطلب تحديده.
المرحلة الحالية من التصعيد هي باتجاه حالة صدامية واسعة ومن الضرورة بلورة استراتيجيات تحدي ومواجهة فيها ثمن أعلى لكن فيها أفاق للتخلص من الاحتلال. وفي مقدمة هذا وقف المفاوضات والمسار التفاوضي القائم على الضعف الفلسطيني والعبثي فلسطينيا والاستراتيجي اسرائيليا.
في المعركة الاعلامية المكملة والمعركة على الراي العام ومعركة الصمود فاننا نملك ادواتنا والمستقبل امامنا. المرحلة القادمة تتطلب استراتيجيات فلسطينية جماعية لا تجزيئية يفرض حدودها النظام الاستعماري العنصري. وهي اساس لوحدة الشعب ووحدة القضية على اساس الشرعية والحق الفلسطيني.
حول دور فلسطينيي ال48 في تعزيز الصمود الفلسطيني في القدس

بعد العزل الجغرافي المطبق للقدس عن الامتداد الطبيعي في الضفة الغربية وعزل الضفة عن القدس وتقطيع الضفة الغربية ضربت اسرائيل عمليا بنية الحراك الشعبي والمقاومة الشعبية الفلسطينية والى حد كبير مقومات المقاومة في الضفة مستعينة بدور السلطة الفلسطنية المحكومة الى اتفاقيات اوسلو وخارطة الطريق. وبرزت في هذه المرحلة بشكل خاص اهمية دور فلسطينيي ال48 في المعركة على القدس، لتصبح قضية القدس في صدارة جدول اعمال فلسطينيي ال48 وقد اجتمعت مؤسساتهم القيادية (لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية) في اواخر اكتوبر 2009 وخصصت جلسة لنقاش استراتيجيات العمل في القدس والمعركة على الحق الفلسطيني فيها. ومساعي اسرائيل لاستهداف القوى الفاعلة بين فلسطينيي ال48 في القدس والنيل من قدرتهم على التحرك من خلال اوامر ادارية واوامر عسكرية تمنع قيادات الحركة الاسلامية وفي مقدمتهم الشيخ رائد صلاح من دخول القدس او الاقتراب من المسجد الاقصى.
وجدير ألا يغيب عن ناظرنا ما جرى في انتفاضة الاقصى عام 2000 عندما اجتمع فيها عاملا دفع شعبي وهما البعد القومي والبعد الاسلامي، لتنطلق بداية من جانبي ما يسمى "الخط الاخضر" أي فلسطين 48 والضفة والقطاع. وكشف ذلك عن البعد الاستراتيجي في التواصل الفلسطيني وتقاسم استحقاقات المشروع الفلسطيني التحرري من قبل كل الشعب الفلسطيني وليس جزءا منه.

وللحقيقة فان الهدف الحالي لمعركة القوى المقدسية مدعومة بفلسطينيي ال48 وبالذات الحركة الاسلامية هي ليست تحرير القدس بل الصمود وإفشال المخططات الاحتلالية وبناء ارضية هامة للحراك الفلسطيني والدولي حول القدس ومنع تغييبها كما تسعى اسرائيل.
وهناك حالة فلسطينية وعربية وهي انه حيث تغيب السلطة الرسمية يقوى الحراك الشعبي، وما يميز الحراك الشعبي هو انه يعتمد الثوابت والحق، لا قواعد لعبة توازنات القوى القسرية.
ان دعم هذا الحراك الشعبي هو مهمة جوهرية في الواقع الحالي، وهو حراك كما في مناطق ال48 يتميز بالوحدة النضالية التعددية – أي لا إقصاء فيه من أحد لأحد. لتعمل التيارات القومية والاسلامية واليسارية مجتمعة حول هدف مشترك وهو الصمود كأساس لقلع المحتل.
والدرس الاهم هنا هو في تعامل الشعب الفلسطيني مع ذاته كشعب لا مجموعات لكل منها قضيتها في حدودها الجغرافية بل قضية فلسطينية واحدة.

تغييب وتغيّب البعد العربي من مستحقات انهاء الاحتلال
العالم العربي غير قادر على تحرير القدس او استخدامها كجامع للمشروع القومي والديني والوطني عندما يعترف باسرائيل. وحيث العالم العربي تتجاذبه الانقسامات القاتلة التي تفتت الأمة فانه سيبقى عاجزا ومحيّدا كعامل استراتيجي مركزي. وحيث يؤيد العالم العربي احتلالا امريكيا للعراق فانه لا يملك القدرة ولا الاساس المعنوي لتحرير فلسطين، وحيث يشارك أي نظام عربي في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة فان حصاره على غزة لن يكون خارطة الطريق لتحرير الشعب الفلسطيني في القدس.
لكن سلاحا هاما يبقى في يد القوى الشعبية العربية ألا وهو رفض ومناهضة تطبيع اسرائيل او تطبيع الصهيونية وجرائمها. ومناهضة التطبيع هي رفض الاعتراف بشرعية المشروع الصهيوني الاستعماري. وحيث اسرائيل تفتش عن ادوات جديدة لتحصين شرعيتها من خلال الاعتراف بها كدولة يهودية وعمليا بالصهيونية كحركة تحرر قومي، فان مناهضة التطبيع تضع التحدي حول شرعية اسرائيل ككيان استعماري عنصري اقتلاعي احلالي.

في المقابل تتعامل القيادة الرسمية الفلسطينية مع البعد العربي تعاملا وظيفيا فحسب، وبدل ان يكون الجانب الفلسطيني هو الدافع لسقف المطالب العربية حول فلسطين فانه يلعب دور المحبط حتى لانجازات معنوية كما حدث في فضيحة تقرير غولدستون في مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة.






كيف تعامل المشروع الصهيوني مع القدس
المشروع الاستعماري الصهيوني هو مشروع علماني في طبيعته. ومع ذلك فقد تمحور في القدس وفي بعدها الديني والحضاري والرمزي. وتعاظم موقع القدس في هذا المشروع كعامل جامع ديني قومي في ضمان وتوفير مقوماته.
في سعيه لبناء مقوماته اعتمد المشروع الصهيوني اربع مركبات:
اولا: بناء الامة اليهودية او الشعب اليهودي العالمي
ثانيا: انجاز احتلال فلسطين وتهويد المكان
ثالثا: الدعم الدولي
رابعا: استدامة الضعف العربي وتشتيت إواصر الامة العربية

بناء الأمّة بالمفهوم الصهيوني (اليهودية او الاسرائيلية) يأتي مقابل تجزيء الشعب الفلسطيني وتجزيء الامة العربية ومقوماتها.
المشروع الصهيوني وضع القدس هدفا مركزيا في البحث عن مبررات وجوده والتفتيش عن "حق" او "أحقية تاريخية" في فلسطين وقد احتاج في ذلك مركزا روحانيا لبناء ما يسمى الشعب اليهودي العالمي والامة اليهودية بصفتها المادة البشرية للمشروع الصهيوني.

والقدس كانت جامعا روحانيا للمشروع الاستعماري. وهذه الوظيفة ليست للماضي بل حتى اليوم وضمن حملة الددولة اليهودية وتهويد النقب والجليل يجري استخدام مضطرد لمفهوم بناء مركز روحاني يهودي وهذا ما حصل في مدينة عكا في شمال فلسطين وفي مستعمرة نتسيرت عيليت المقامة على اراضي الناصرة العربية حيث وضعت خطة بلدية حكومية لما يسمى "ايقاف الزحف العربي" أي الهجرة العربية للمستعمرة والتي تهدد ياهدافها الرسمية كمستعمرة يهودية في قلب الوجود العربي في الجليل شمال فلسطين.
كان واضحا للمشروع الصهيوني سواء اعترف بذاته كمشروع استعماري ام لا انه بحاجة الى مقومات تغذيه وتقوم بخلق الكتلة البشرية والمنظومة المؤسساتية واجهزة تساعده في بلورة هويته اليهودية ليضمن جوهره الصهيوني.
المشروع الصهيوني العلماني اعتمد التوراة والمصادر الدينية كمركب جوهري في تبرير ذاته اولا امام يهود العالم وبالذات الاقوياء وليس الملاحقين. فالملاحقين وضحايا النازية كانوا يفتشون عن ملاذ, لكنه احتاج أولا وفي بداياته الاقوياء اقتصاديا ونفوذا سياسيا ليكونوا ضمنه.
المصادر الصهيونية احتاجت الى "جذور" تعود الى 3000 سنة لتبرير احقيته في الوطن فلسطين. او الارض المقدسة. والقدس شكلت مركبا ومنحى مركزي في بناء الاسطورة و"روح الشعب"، مصطلح التمني "السنة القادمة في القدس" هو مصطلح ضمن الحفاظ على الدين وكذلك بناء الامة, وما سمي لاحقا الصهر الاجتماعي لليهود المستقدمين من انحاء العالم لخلق الأمة.

تحويل المعركة الى دينية هو استراتيجية اسرائيلية...اخراجها من معركة تحرر وطني وتحرير وطن من سطوة كيان مستعمر. الى صراع الاديان ليكون العلاج هو "حوار الاديان" وعلى الاقل تصبح المعادلة دينا مقابل دين لا مستعمر ضد اهل البلاد. وصراع الاديان سيتيح لاسرائيل ايضا التلاعب والظهور امام العالم الغربي انها حامية المقدسات المسيحية كما لو لم تكن محتلة لها وتنتهكها.
لا توجد اهمية خاصة ميدانية استراتيجية او عملياتية، لكن اهميتها الاكبر هي في الصراع على الحق في فلسطين. الحق الفلسطيني والعربي مقابل المستعمر.
واهميتها الاخرى في كونها مركزا سياسيا ثقافيا دينيا عالميا، اهتم المشروع الصهيوني منذ بداياته بالهيمنة عليه واستحواذه.
وقد استعان المشروع الصهيوني بالاستعمار البريطاني ليثبت وجوده فيها، وأقام مؤسسات مركزية له قبل العام 1948 ومن ابرزها الجامعة العبرية.
وفي قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الامم المتحدة 181 فقد تعامل القوى المهيمة دوليا مع القدس كحالة خاصة، وعمليا سعت الدول المهيمنة الى مصادرتها من سيادة الشعب الفلسطيني.
جنرالات الاحتلالين 1948 و1967 اعتبروا انفسم اخفقوا في احتلال كامل القدس عام 1948 واعتبروا احتلال القسم الشرقي منها بما فيه البلدة القديمة عام 1967 انتفاما للاخفاق وإكمالا للدائرة. المشروع الاستعماري اعتبر القدس عاملا استراتيجيا في تسويق ذاته وكسب الشرعية الدولية ..
بعد انهاء احتلال كامل الوطن الفلسطيني عام 1967 انتقل التعامل الاسرائيلي الى مرحلة جديدة وهي السعي لخلق واقع يتعامل فيه الاسرائيلي والفلسطيني والعربي والاجنبي مع القدس كمسالة منتهية. ولا يبقى من دور للحديث عنه سوى الحريات الدينية وقصر الموضوع على الاماكن الدينية لا على الاحتلال ومهمة التحرر منه.
عنصرية استعمارية بنيوية
العنصرية الاسرائيلية هي في اساسها ليست "تمييزا بين مواطنين ومواطنين"، بل هي خارج معادلة المواطنة. هي نتاج المشروع الاستعماري وتعمل ضمن اهدافه. فالعنصرية الاسرائيلية اليت تهيمن على فعل اسرائيل مقابل فلسطينيي ال48 والكولونيالية مقابل فلسطينيي الضفة والقطاع والقدس، بل ان العنصرية الاسرتئيلية تستهدف كامل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتنزع شرعية الموجودين فيه وتلغي حق اللاجيء بالعودة.
العنصرية الاسرائيلية هي قانونية – أي ان القانون الاسرائيلي يعمل ضمنها ووظيفته ان يشرعنها ويتيح تطبيقها. وعمليا سعت الى استخدام ادوات احتلالية تبدو مدنية احيانا وبلدية احيانا اخرى وكان دور الجهاز القضائي تبرير الواقع الاحتلالي للقدي بمفردات لبرالية شكلا واستعمارية مضمونا.
في دولة عادية فان التمييز العنصري هو ظاهرة فيها حالة توتر مع القانون. اما اسرائيل فان عنصريتها هي اداة استعمار واقتلاع وتطهير عرقي ونهب وطن وإلغاء حق تاريخي لشعب في وطنه.
مقاومتها تعني وتتطلب مقاومة اسرائيل كنظام وكيان ومقاومة الصهيونية كمشروع استعماري وفكر استعماري عنصري اقتلاعي وإحلالي.
عمليا فان العنصرية الاستعمارية البنيوية قد وفرت للمحتل أدوات يتعامل بها سواء في مناطق فلسطين48 مع "مواطنيه" الفلسطينيين ام مع سكان القدس "سكانه" الفلسطينيين.
وضمن الادوات القانونية وادوات العنصرية الاستعمارية البنيوية تعمل اسرائيل منذ احتلال كامل المدينة عام 1967 الى فك الارتباط بينها وبين بقية مناطق فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة وال48). وعلى ذات النهج يجري ولغاية الان عملية مخططة منهجية لتفريغ البلدة القديمة من سكانها الفلسطينيين، وتتقاسم اسرائيل بجهازها التنفيذي والقضائي والتشريعي من جهة مع المنظمات الارهابية اليهودية والمدارس الدينية الاستيطانية ومنظمات صهيونية عالمية من جهة اخرى الادوار في تهويد كل متر مربع من المدينة القديمة ضمن عملية تطهير عرقي تسير بوتيرة تبدو غير جماعية لكنها متواصلة يحكمها التوجه الاستعماري الذي



الصراع على السيادة وضمنه على المركز الروحي والشرعية
الفلسطينيون يتعاملون جزئيا وغير رسميا مع القدس كمركز روحي، وهو امتداد لموروث ثقافي ووعي سياسي وكذلك لبدايات مشروع التحرر الوطني الفلسطيني في سنوات الستين من القرن الماضي وهو ما رفعه باستمرار القائد الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات.
في عملية بناء الامة او أواصر الشعب ومقومات المشروع التحرري هناك اهمية لمركز روحي او معنوي او حضاري والقدس جامعة لذلك. والقدس هي جامع قومي ومعنوي وحضاري وديني لتوحيد المشروع الفلسطيني والعربي والاسلامي. ولن تغيب عن البال ان المعركة الاساسية هي على السيادة في القدس ولمن تكون. وعلينا الاعتراف ان اسرائيل تدير معركة على تثبيت السيادة والشرعية وتتقن ذلك اكثر مما يتقنه النظام العربي والفلسطيني الرسمي. وعندما يجتمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كل لقاءته مع المسؤولين الاسرائيليين في القدس الغربية بصفتها عاصمة اسرائيل او جزء منها ولا يملك الحق ولا ارادة المقاومة بمجرد زيارة القدس الشرقية او المسجد الاقصى فانها خاسر مسبقا المعركة على السيادة وهي المعركة الحاسمة. وهذه السيادة لن يوفرها لا الادارة الامريكية ولا الاتحاد الاوروبي بل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
غياب المشروع الفلسطيني او المشروع العربي المقاوم والتحرري والهادف الى طرد المحتل يهو تسليم بإبقاء القدس وكل فلسطين تحت الاحتلال. وان كان مؤشرا لبؤس الوضع الفلسطيني والعربي الحاليين فهو احتفاليات القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009، حيث ظهر فيها كل انواع الاحتفالات باستثناء اطلاق مشروع تحرري او الاعلان رسميا عن ارادة لتحرير القدس من الاحتلال.

معادلة الصراع وإدارته مع المشروع الصهيوني الاستعماري.
كما أنطلق من انه لا توجد قضية للقدس منفردة وأخرى لمناطق فلسطين المحتلة عام 1948 وقضية لغزة وقضية للاجئين، بل توجد قضية فلسطينية كل مركباتها هي اسقاطات المشروع الصهيوني الاستعماري الذي لم يتغير طابعه منذ ان بدأ على هذه الارض مرورا باحتلال العام 1948 واحتلال العام 1967. وهو مشروع استعماري تكاملي يقابله غياب مشروع وفي احسن الاحوال بقايا مشروع فلسطيني مجزّأ وفي ظل غياب تام لمشروع عربي سواء أكان لبناء الامة العربية أم لمواجهة المشروع الاستعماري في المنطقة وفي مقدمته المشروع الصهيوني. وفي الحديث عن القدس يجدر التأكيد ان احتلال عام 1967 لم يكن احتلالها الاول بل ان أحيائها الغربية المتطورة احتلت عام 1948 وتم تهجير سكانها وبالذات النخب السياسية والثقافية والاقتصادية. وعند الحديث عن قضية شعب وحقوق شعب فان هذه مسألة جديرة بأن لا نتغاضى عنها.
والقضية الواحدة تظهر بشكل جلي عندما نعود الى البحث عن جذور المشكلة، او عندما ننظر الى جوهر وطبيعة الممارسات الاسرائيلية المنبثقة من جوهر اسرائيل والتي تذكرنا يوميا بأنها واحدة. فالتهويد مثلا، في القدس لا يختلف في أساليب تطبيقه عن التهويد في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، وبناء المستوطنات الاستعمارية في الضفة لا يختلف في اهدافه عن بناء المستعمرات في مناطق ال48 ومثال على ذلك "نتسيرت عليت" المقامة على اراضي الناصرة والقرى المحيطة. والطرق الاستراتيجية الالتفافية على الوجود الفلسطيني بهدف عزله ومحاصرته وسلب اراضيه وتسهيل حركة المستعمر لا تختلف في طبيعتها سواء أكانت في الضفة الغربية ام في وادي عارة، فما يجري التعامل معه فلسطينيا وعربيا بصفته "خطا أخضر" مغيّب وغائب بالمفهوم والتعاطي الاسرائيليين.
وما ندرج على تسميته قوانين الاحتلال في القدس وانحاء الضفة ومصادرة الاراضي والاستيطان هي بالمفهوم الاسرائيلي قوانين اسرائيلية لا تحدها جغرافية ولا اتفاقية جنيف الرابعة بشأن المناطق الواقعة تحت احتلال اجنبي.
في اتفاقيات ومسار اوسلو التجزيئي تم استبعاد ثلاث مركبات للقضية الفلسطينية: اللاجئين والعودة، القدس وفلسطينيي الداخل (ال48). وهذا المركّب الاخير تمّ عمليا أخراجه تماما من مسار ما أطلق عليه "الحل" وتم اعتبارهم كمسألة اسرائيلية داخلية وهو ما بدأ قبل ذلك بعقدين على الاقل في النهج السائد في حركة التحرر الوطني ومنظمة التحرير. اما اللاجئين والقدس فقد تم تأجيلهما ايضا ضمن ما سمي "المفاوضات" الى البت في مرحلة الحل الدائم.
ومنذ اوسلو سعت دولة الاحتلال إلى تكريس ضم القدس واستيطانها والسيطرة على المقدسات وفي عملية تطهير عرقي ممأسسة تعمل على تفريغها من أهلها الفلسطينيين ومن اقتصادهم واستيطانها وتهويدها. اي فرض بنية قانونية اسكانية تهجيرية تخطيطية أمنية اقتصادية متكاملة الهدف منها الحيلولة دون اي تراجع عن الضم بصفتها "عاصمة إسرائيل الأبدية" وفق المصطلح الصهيوني. ولضمان ضعفها سعت لإفراغها من مؤسساتها الاقتصادية والأهلية والسياسية. وعزلها تماما عن كل التقاء مع الضفة الغربية، في حين سعت الى بناء بنية تحتية متطورة جدا للوصل بين الكتل الاستيطانية من جانبي الخط الأخضر.
وتكاملا مع مخططاتها تجاه الحق الفلسطيني في القدس تسعى إسرائيل إلى نسف البنية القانونية والتنفيذية الميدانية والمادية لعودة اللاجئين سواء من خلال الاستيطان ام قوانين الهجرة والمواطنة ام إبداعات قوانين النكبة والولاء والدولة اليهودية. يضاف إليها قانون نهب ما تبقى من أملاك اللاجئين وأملاك شعبنا بغية خصخصتها وتهويدها. وحملة "الدولة اليهودية" تتحدث بشكل واضح عن تهويد القدس وعن منع حق العودة وعن النقب والجليل.
في حين يوما بعد يوم ومنذ أوسلو يتعمق غياب وتشتت المشروع التحرري الفلسطيني بغياب حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تمثلت سابقا في م ت ف والتي لا نتوقع لمشروع تحرر وطني ان يعود دون بنية تحرر وطني والسلطة الفلسطينية ليست الإطار لهذا المشروع وهي ليست ممثلة الشعب الفلسطيني ولا م ت ف في وضعها الحالي بعد ان تحولت إلى أداة للتوقيع على تنازلات في قضايا لا يملك المفاوض الفلسطيني الحق بالتصرف بها وبالذات العودة. وعمليا لا نتوقع لحركة التحرر الوطني ان تعود لتلعب دورا جامعا للشعب الفلسطيني دون مشروع للتحرر الوطني واضح المعالم بحدود الغبن التاريخي والحق الفلسطيني وهذا مسؤولية كل فلسطيني.
القضايا التي تم تأجيلها الى الحل الدائم هي القضايا المستهدفة أساسا من المشروع الصهيوني. فالمشروع الصهيوني وفي مسار إعادة بلورة مفهوم الامن القومي الذي صممه اكثر من غيره ارئيل شارون في خطة فك الارتباط مع غزة، فقد أجرى شارون الربط وفق المنطق الاستعماري. ربط شارون بين الانسحاب من غزة ومشروع الدولة اليهودية ومشروع "تطوير النقب والجليل" أي تهويدهما وتهويد القدس وكل الكتل الاستيطانية الأخرى في الضفة الغربية، ومخططات "التبادل السكاني" بهدف ابقاء الكتل الاستعمارية الاسرائيلية في الضفة الغربية تحت السيادة الاسرائيلية وفي المقابل تحويل جزء من فلسطينيي ال48 لحكم السلطة الفلسطينية. كما وربط شارون ذلك كله مع الجدار الاحتلالي او جدار الفصل العنصري. وحتى تشتيت الضفة الغربية وتقطيعها جرت ممارسة شبيهة بأهدافها له داخل مناطق ال48 خلال فترة الحكم العسكري والذي تواصل لغاية أواسط الستينات حيث تم تشتيت وتقطيع البلدات والناس في الداخل على أساس جغرافي بأدوات قمعية ورقابة وأنظمة إدارية. تغيرت الأدوات لكن ليس الغايات ولا الجوهر.
ويجري حاليا ربط احتلالي أخر ويتمثل بالاستعانة أكثر وأكثر بالأوساط الاستيطانية الأكثر عنصرية والأكثر دموية وهي مجموعات إرهابية بكل معنى الكلمة لاستخدامها كرأس حربة لاستكمال المشروع الاستيطاني وسد الثغرات فيه وتحويله الى حقيقة قائمة دون أن تتحمل الدولة مسؤوليات واستحقاقات ذلك. ليبدو الصراع كما لو كان بين مجموعات سكانية متصارعة وليس مع نظام استعماري عنصري. هذا ما يحدث في القدس وفي الخليل وفي عكا ومحاولات لنقله الى حيفا ويافا ونتسيرت عليت حيث المجموعات الاستيطانية شبه العسكرية تقوم بالدور حيث تحرج الدولة القيام به وفق قانونها، كما ان الدولة توفر لهم البنية القانونية والتنفيذية كما جرى في عكا العام الماضي وما جرى في عملية الإخلاء الأخيرة قبل يومين في القدس لعائلات فلسطينية وتسليم بيوتها الى مستوطنين يهود.


المسؤولية

إننا في مرحلة إدارة صراع لا تبدو فيها آفاق حل وبالتأكيد لا تبدو قريبة آفاق حل عادل ينطلق من تصحيح الغبن التاريخي والاحتلال الأول للوطن عام 1948 وما سبق ذلك منذ بداية المشروع الصهيوني الاستعماري ألاقتلاعي العنصري الذي لم يتغير جوهره بتاتا.
في إدارة الصراع أخطر أمر يقوم به الطرف الضعيف هو رهن حقوق شعب لتوازن القوى الإقليمي والعالمي مهما كان اختلاله كبيرا، وهذا مبدأ أساسي. بالتأكيد لا يمكن رهن الحقوق لقانون المحتل او لما يدعيه "حقائق على الأرض" قد فرضها قسرا, ومن يقوم بذلك ينسف الحق الفلسطيني ومشروعيته القانونية ايضا. وأقوى ما يستطيع الطرف المنتهكة حقوقه فعله وفي اية توازنات قوى هو ان يقول "لا" لاية مخططات تنال من الحق. وفي مثل حالة الصراع طويل الامد والوجودي مع المشروع الصهيوني من ألاهمية بمكان التعامل مع أي توازن قوى كأمر مؤقت ورهن للتحولات لدى كل الاطراف ذات الصلة او لدى أي منها.
في ادارة الصراع حيث لا تبدو آفاق للخروج منه او للعدالة نضع أمام ناظرنا كيف نعزز قوة وصمود الشعب الفلسطيني ونضمن إخفاق المشروع الصهيوني القائم على الضعف الفلسطيني والعربي، ونسعى الى إضعاف اسرائيل وتعميق أزمتها الداخلية والخارجية ونسعى الى حشد دولي لمقاطعتها وفرض العقوبات عليها ومشروع عربي لمناهضة تطبيعها عربيا، في الطريق لإحقاق الحق الفلسطيني والعربي. فالتطبيع العربي مع اسرائيل يعني قبولها وكما هي وقبول المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري.
وعندما نبحث بالقدس فان الحديث لا يجري حول حقوق الفلسطينيين المقدسيين فحسب بل حقوق الفلسطينيين في القدس، وعمليا نبحث القضية الفلسطينية برمتها، وما فرض توازن القوى تحييده وتأجيله في التسعينات من قضية القدس واللاجئين وحق العودة ومشروع العودة وتهميش دور الداخل الفلسطيني فان مسؤوليتنا ان نحوّلها الى قضايا أولوية وتزداد اولويتها كلما تعثر حتى الحل القائم على انهاء الاحتلال عام 1967، ليصبح كل تصنيف لمركبات حسب: أولا وثانيا يلحق الضرر في الحق الفلسطيني بمجمله.


اذا لم يكن بالامكان التحرير فعلى الاقل الابقاء على ملامح وحدود الحق الفلسطيني في القدس اي في كامل القدس وليس فقط القدس الشرقية بل وفي كل فلسطين. ورفض تطبيع اسرائيل او التطبيع معها والتمسك بالسيادة على القدس كحق وكمسؤولية.

· الكاتب هو الامين العام لاتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) ورئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات ومناهضة الملاحقات السياسية في فلسطين48


(عن مجلة شؤون عربية الصادرة عن جامعة الدول العربية )

http://www.youtube.com/watch?v=OQ0aSMrNpi0

http://www.youtube.com/watch?v=OQ0aSMrNpi0

Friday, November 20, 2009

موقفنا من الصهيونية العالمية نفي شرعيتها لا تطبيعها

أمير مخول

غداة كل مد وطني ومقاومة شعبية فلسطينية في الداخل أصبح متوقعا أن تشن الحركة الصهيونية حملة مكثفة تستهدف هدر ما تراكم من انجاز كفاحي وطني. وتستهدف شراء الذات الفلسطينية وتفريغ هويتها المقاومة (بكسر الواو) والحيلولة دون تناميها.

فمنذ انتفاضة الأقصى على كامل الوطن الفلسطيني ومرورا بهبة الغضب على جرائم الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياحه مدن الضفة الغربية عام 2002 وهكذا في أعقاب مناهضة جماهير شعبنا لعدوان 2006 على لبنان والإسهام في إخفاق أهدافه وبلوغا إلى مجزرة غزة وحصارها بداية العام الجاري، تجري بشكل حثيث مساع منهجية يتكامل فيها دور إسرائيل ودور المنظمات ومجمل الحركة الصهيونية العالمية لاختراق مناعة جماهير شعبنا وإضعافها.

فمقابل قمع الدولة اليهودية الصهيونية تقوم المنظمات الصهيونية العالمية بحملاتها لإغداق الأوهام لا الأموال، وتصدر بياناتها المنمقة بمفردات لبرالية حقوقية شكلا والصهيونية الاستعمارية جوهرا والتي تحذر من انفجار قادم وتدعو إلى العيش المشترك، وبالطبع على الوطن المسلوب منذ نكبة العام 1948 أو على أرضنا في النقب والجليل والتي صادرتها إسرائيل ضمن مخططات تهويد النقب والجليل. لكن هذه الحركة الصهيونية على تياراتها ومنظماتها هي التي تدعم إقامة المستعمرات الإسرائيلية على الأرض العربية المصادرة في منطقة البطوف وهي التي تؤكد أن هدفها الرئيسي هو ضمان دولة إسرائيل "يهودية ديمقراطية". وكلها مجمعة أنها صاحبة البيت في الدولة اليهودية كون هذا الكيان تابع "للشعب اليهودي العالمي" وهو "دولة اليهود".

وان كانت المنظمات الصهيونية العالمية قد عملت بشكل فردي في الماضي لكن جمعها الهدف والرؤية والقيم الاستعمارية، فان ما يميز السنوات الأخيرة أنها انتظمت وأقامت تحالفا ضخما من أكثر من سبعين مؤسسة وشكلت ما يسمى "فريق العمل متعدد الوكالات لشؤون عرب إسرائيل". ولا يخفي هذا التحالف جوهر موقفه ودوره برؤيته يهودية إسرائيل ضمن مسؤوليته واعتبار ذاته حارسا للجوهر "اليهودي الديمقراطي" لإسرائيل..

هذا الأسبوع شهد حدثا قد يصبح مفصليا إذا جرى التعامل معه كبداية مرحلة لا نهايتها. وهذا الحدث هو إفشال المؤتمر الذي نظمته هذه المنظمات في مدينة سخنين. وقد تم الإفشال ومنع الاختراق ابتداء بالحملة التي أطلقها اتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) لمناهضته وبلوغا لمقاطعة بلدية سخنين ورئيسها ومؤسساتها وقواها الوطنية. هذا المؤتمر الذي جاء بالتعاون بين "فريق العمل " الصهيوني المذكور وجالية بتسبورغ ومنظمة شتيل. حيث كان عنوانه "العيش المشترك". ولا بأس من أن تقوم المؤسسات الوطنية بتنبيه المؤسسات الأخرى حول ما يختفي من دور للحضور الصهيوني العالمي بين جماهيرنا. فالحركة الصهيونية تبذل جهدا مضللا هائلا كي تبدو حيادية وغيورة على مصلحة العرب. وهو لا يختلف بالجوهر من سلوكها في المحافل الدولية وآخرها كان مؤتمر ديربان ضد العنصرية عندما تحالفت تحت مفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان كي تدافع عن عنصرية إسرائيل، وتلاها الموقف المجاهر لجميعها ودون استثناء من معاداتها السافرة لتقرير غولدستون الاممي ودفاعها المستميت عن إسرائيل وعدوانيتها وجرائمها ضد شعبنا في غزة. وهي تؤيد احتلال القدس وضمها الى اسرائيل وكلها تؤيد وتدعم الخدمة المدنية للشباب العربي في الداخل.

وللحقيقة فان الحملة الوطنية لمناهضة المؤتمر لم تتطرق لمضمونه ولا جوهر أبحاثة، بل أن الأمر الجوهري كان هو الثوابت الوطنية ومناهضة الدولة اليهودية ورفض تطبيع أدواتها من منظمات صهيونية عالمية. المنظمات الصهيونية العالمية هي جزء لا يتجزأ من مركبات الدولة اليهودية والمشروع الاستعماري العنصري على وطننا. واعتبرت الحملة ان دورنا هو مناهضة الصهيونية ومنظماتها وتجلياتها لا التطبيع معها ولا شرعنتها. فمن يرفض جوهر الدولة اليهودية وسياسات تهويد النقب والجليل لا يستطيع أخلاقيا ان يتعايش مع مقومات المشروع الصهيوني وعلى أنقاض ما هدم واقتلع وصادر.

كما انطلقت الحملة الوطنية من اعتبار أن هدفنا ودورنا وبالذات دور العمل الأهلي الفلسطيني المستهدف هو منع اختراق الحركة الصهيونية لمناعة جماهير شعبنا واحتواء أوساط منها. ورفض قاطع لان تلعب مؤسساتنا دور حصان طروادة للمشروع الصهيوني سعيا وراء وهم التمويل أو الوهم بإمكانية تحقيق الحقوق من خلال أدوات اللعبة التي تفرضها إسرائيل ومجمل الحركة الصهيونية.

الحركة الصهيونية بمنظماتها ومؤسساتها وتياراتها المتنوعة تنظر إلى جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل من باب الأمن القومي الإسرائيلي، وتريدنا مجموعة سكانية تتحدث بمفردات الاعتداد بالنفس وبتعبير التحبب "الوقاحة الإسرائيلية"، ولكن نكون جوهريا خاضعين لقواعد لعبتها. فما نفع المفردات الوطنية إذا قبلنا طوعا بمبدأ العيش المشترك على أرضنا المصادرة وارض شعبنا المنهوبة!! وما نفع الاعتداد بالذات إذا قبلنا بان تكون المنظمات الصهيونية العالمية أيا كانت شريكة لنا في تحديد مصيرنا وملامح مستقبلنا!!.

الحركة الصهيونية العالمية ومنظماتها ترى بنفسها صاحبة الوطن الفلسطيني ومالكة لدولة إسرائيل وليس تابعة لها. وترى بالجماهير العربية تابعة لإسرائيل وتابعة لها ولمشروعها الكبير. وجوهريا تنظر إلى الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل من منطلق المشكلة ولذلك فان إستراتيجيتها هي الاحتواء سعيا لما يسمى مكافحة التطرف وتعزيز الاعتدال وخلق مصلحة مادية وبنية ولاء عربي فلسطيني للدولة اليهودية.

هناك مسؤولية أخلاقية وهي أن نتعامل مع ذاتنا كشعب ولا ننحصر بحدود مواطنتنا، والمقصود أن تكون علاقتنا بالتدخل الصهيوني استمرارا للمشروع الاستعماري العنصري. علاقتنا بالحركة الصهيونية هي علاقة صراع على الوطن وعلى حق شعبنا فيه وعلى حق لاجئينا بالعودة اليه والى بلداتهم واستعادة أملاكهم التي هدمها ونهبها وصادرها المشروع الصهيوني. وأما دور المنظمات الصهيونية وفريق العمل متعدد الوكالات فهو في نهاية المطاف مسعى لتجميل الشكل والحفاظ على الجوهر الصهيوني.

لقد نجحنا في محاصرة توسع نفذهم ومنع اختراق مناعتنا الوطنية كجماهير والمطلوب الان اعتبار ما جرى هو بداية مطاف والمهمة القادمة هي في كنس مساعي الاختراق الصهيوني لمناعة جماهيرنا. وهي مهمة وطنية كبرى. فكما نطالب العالم بمقاطعة إسرائيل ونطالب العالم العربي بمناهضة التطبيع فنحن في الداخل الفلسطيني لسنا معفيين من لعب دورنا في مناهضة الصهيونية وأدواتها، ولا بأس في أن نعود إلى الثقافة الكفاحية حيث للموقف يوجد ثمن وعندما ندفعه تزداد مناعتنا الوطنية ونحصّن كرامتنا القومية.


 

18/11/2009

Wednesday, November 11, 2009

نتسيرت عليت مستعمرة تظن انها شرعية


 


 

امير مخول

اعلن شمعون جافسو رئبس بلدية نتسيرت عيليت يوم 10/11/2009 عن خطنه لاعادة تهويد المدينة في أعقاب الازدياد الملحوظ للوجود العربي فيها والذي فاق ربع عدد السكان ومقابل ذلك وقف هجرة اليهود منها وبالذات عزوف الأجيال الشابة اليهودية عنها.

وفي محور خطته اتجاهان متكاملان – الواحد هو ضمان هجرة "نوعية" من اليهود والثاني توجيه رسالة ملموسة للعرب في المدينة والذين هاجروا إليها أفرادا سعيا وراء حل فردي لازمة السكن او العمل في البلدات العربية في المنطقة، ودعاهم للتفتيش عن "بيت اخر" حسب تعبير موقع NRG.

أما التنفيذ العملي للمخطط فيتضمن استقدام مستوطني "غوش قطيف" في مستعمرا ت قطاع غزة سابقا وكذلك بناء مشروع "هار يونا 3" والذي هو عبارة عن مدينة يهود متدينين (الحرديم) وبناء مركز روحاني يهودي منطقي، وبالإضافة استقدام مجموعات ممن يطلق عليهم "النواة الصهيونية الصلبة" اي مجندين متدينين قوميين من الكتل الاستيطانية ومن مدارسها الدينية العسكرية والتي عرف عنها بتخريج إرهابيين يهود. وهذه المجموعات التي يجري العمل على استقدامها هي أشبه بالمجموعات المسلحة التي احضروها للسكن في عكا ضمن خطة "تدوير (تهويد) النقب والجليل" التي قادها شارون كجزء من خطة فك الارتباط مع غزة عام 2005 كما تتضمن خطة جافسوا إغراق المدينة باللافتات والرموز اليهودية والصهيونية. وللحقيقة فان جافسو يهدد الوجود العربي في نتسيرت عيليت بنموذج عكا في خريف العام 2008 عندما هاجمت الجموع اليهودية العنصرية الوجود العربي في المدينة واحتمت عنصرية الشارع بعنصرية النظام الإسرائيلي وتقاسمت الدور معه..

وللحقيقة فإن شمعون جافسو لا يأتي بأي جديد باستثناء نفض الاوهام، فهو يعيدنا الى جذور المشروع الصهيوني، والى الخمسينيات من القرن الماضي حيث أقيمت نتسيرت عليت بناء على الحلم الاستعماري العنصري الذي راود بن غوريون ولم يكن "أفضل" لتطبيق مثل هذا المشروع وتنفيذه من مساعده شمعون بيرس. وتحدث حلم بن غوريون عن "اقامة مدينة يهودية في قلب الجليل تقطع التواصل الجغرافي والدمغرافي العربي في المنطقة". وهذا جزء من المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الواسع القائم على التطهير العرقي.

وللحقيقة أيضا فأن الهدف من نتسيرت عيليت وإقامتها وتوسعها لاحقا هو هدف استيطاني استعماري لا يختلف بأي نص او جوهر عن المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس بعد احتلالها في العام 1967 ولغاية اليوم. ولو قارنا أهداف نتسيرت عليت ومعاليه ادوميم او غوش عتسيون او هرئيل وكرمئيل لتيقنّا بأن الهدف هو واحد وجهة اتخاذ القرار بتأسيسها واحدة وجهة التخطيط واحدة والقانون الذي اعتمدت عليه واحد أيضا.

ولو قارنا كيفية التطبيق التي قادها شمعون بيرس في نتسيرت عيليت عام 1956 او في إقامة المستوطنات في الضفة الغربية، فإن كل متر مربع من اراضيها هو أرض عربية فلسطينية مصادرة سواء نهبتها إسرائيل عام النكبة والتطهير العرقي 1948 ام صادرتها وفق قانونها الاقتلاعي الاستعماري منذ العام 1948 ولغاية اليوم بهدف تغيير طابعها الدمغرافي وتهويد الوطن الفلسطيني.

خطة جافسو ومجمل وجود نتسيرت عيليت تعكس جوهر الوجود الإسرائيلي كواقع استعماري. وما يميز هذا المشروع المأزوم ان اشتداد أزمته يؤدي للكشف عن جوهره, فقد سعت إسرائيل باستمرار إلى إخفاء الجوهر سعيا وراء كسب الشرعية. لكن قوة جماهير شعبنا الفلسطيني وكفاحيتها وتعاظم حضورها مزودة بهويتها الوطنية كصاحبة الوطن والحق فيه وعليه وأهل البلاد كلها تجعل النظام الإسرائيلي كله في موقع ردة الفعل. وهذا تحوّل استراتيجي رأيناه في القوانين العنصرية الأخيرة وكذلك في حملة الانتقام خلال وبعد هبة الغضب والاحتجاج في الداخل على جرائم إسرائيل في غزة وقبلها على عدوان إسرائيل على لبنان 2006 وفي مجمل سياسة الملاحقات السياسية الترهيبية.

ويصطحب هذا التحوّل جانب آخر وهو سقوط ما تبقى من أوهام بين أوساط داخل جماهير شعبنا تجاه النظام الإسرائيلي. والتيقّن أكثر فأكثر من ان المؤسسة المدنية والقضائية والأكاديمية والتخطيطية والأمنية كلها شريكة في الجريمة التاريخية التي لم تتوقف منذ النكبة والسعي إلى نهب ما تبقى منه وتهويده.

واذ يعكس مخطط رئيس بلدية نتسيرت عليت دموية السياسة والنظام في إسرائيل، وحالة الصدام المفروضة على جماهير شعبنا في الداخل شئنا أم أبينا، فان معركة الشرعية الوجودية مفروضة علينا ولا نستطيع ان نتجاهلها. وفي معركة الشرعية نحن الاقوى وليس النظام الاستعماري العنصري وتجلياته من نتسيرت عليت الى مستوطنة كريات أربع ومعاليه ادوميم.

ان طبيعة التحدي تتطلب الحفاظ على الجاهزية الكفاحية الوحدوية العالية وبناء المرجعيات المحلية ومراكمة الانجازات، وذات الوقت ان تتعامل جماهيرنا في الداخل مع نفسها كجزء من القضية الفلسطينية ولا تحصر دورها في حدود المواطنة، وان تتعامل مع ذاتها كصاحبة حق ومسؤولية في بناء المشروع الفلسطيني التحرري الواسع ومرجعياته.

وفي تعاملنا مع خطة بلدية نتسيرت عيليت والتي لا تختلف عن أية سلطة بلدية أو مركزية أخرى, فأن حركة مناهضة التطبيع العربية الاقليمية وحركة المقاطعة الدولية لإسرائيل هي أدوات يجدر ويتوجّب أن يتعاظم دورنا مقابلها في كسر الحصار البنيوي على شعبنا والذي مصدره جوهر إسرائيل ذاته.


 

10/11/2009

Thursday, October 8, 2009

فلسطينيو ال48 في مواجهة العنصرية الصهيونية/ امير مخول

فلسطينيو ال48 في مواجهة العنصرية الصهيونية

امير مخول

مقدمة

يعيش فلسطينيو ال48 حالة صدام متواصلة مع اسرائيل. عمليا هي حالة صدام وجودية مفروضة تتغير وتيرتها من مرحلة الى مرحلة واحيانا تدخل حالة الصدام المباشر بين جهاز القمع الاسرائيلي من جهة والارادة الشعبية الفلسطينية من جهة اخرى. النقاش داخل المؤسسة الامنية الاسرائيلية وبالتكامل مع كافة الاذرع المدنية هو حول كيفية ادارة هذا الصدام، مستخدمين ادوات الترهيب والترغيب وسياسات "فرّق تسد" وكمّاً غير محدود من ادوات الرقابة السياسية والامنية والملاحقات والخنق الاقتصادي وفرض التبعية الاقتصادية المطلقة. وفي هذا النقاش كما أكد في كتابه "العرب الصالحون" يشرح هليل كوهين الخبير في شؤون المخابرات الداخلية (الشاباك) كيف ان النهج السائد في هذا الجهاز يقول بأن حالة الصدام المباشر لا بد منها بين الدولة وفلسطينيي ال48 ("عرب اسرائيل" بلغتهم الاستعمارية) وعلى جهاز الامن تحديد التوقيت والظرف. وهناك ايضا وعي فلسطيني يتعزز باستمرار وهو اننا بصدد ادارة صراع لا ايجاد حلول.

لكن هذا المقال سوف يتمحور في الوضع الذي اتضحت معالمه بشكل جلي منذ صيف العام 2006 خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان والاخفاق الكبير الذي لحق به، والتحول الاستراتيجي الذي نشأ اذ أضحت الجبهة الداخلية الاسرائيلية هي ساحة المعركة بخلاف الحروب السابقة حين كان العمق العربي هو ساحتها. وجاء العدوان على غزة ليؤكد ان ما شهدناه من تحول في العام 2006 ليس حدثا عابرا وانما واقعا استراتيجيا جديدا فرضته المقاومة.

ولما اصبحت الجبهة الداخلية الاسرائيلية هي ساحة الحرب، ولما اصبحت الحرب لا تحسم فقط بالعتاد وانما بالصمود والمقاومة والارادة والعامل الشعبي المعنوي والعامل الاعلامي، فان تحديد هوية "اللاعبين" قد تغيرت، وازداد الوزن الشعبي بشكل قوي جدا ونتيجة اليه دور فلسطينيي ال48.

واذ لم تستطع اسرائيل الخروج من ازمتها التي تتخبط بها بعمق منذ ثلاث سنوات، حينما انكسرت الى غير رجعة المعادلة او الوهم بأن اسرائيل تستطيع كل شيء، فان ازمتها تجعلها اكثر شراسة وعنفا استعماريا وعنصريا، ولكن في المحصلة هي التي فقدت من قوتها الاستراتيجية.

وهذا يجعلها تحدد من بين ما تحدده في اعتبارات الامن القومي بأن فلسطينيي الداخل خطرا استراتيجيا. وتسلك مؤسستها الامنية والتشريعية والقضائية والمدنية والسياسية على اساس هذا الاعتبار، مما يحوّل حالة الصدام الدائمة الى اكثر مباشرة واكثر عنفا وخطورة. ويؤدي الى استعانة الدولة بعنصرية الشارع الاسرائيلي وعنف عنصرييه لتتكامل مع عنف الدولة واجهزتها الرسمية.

****

التحولات لدى فلسطينيي ال48

تشهد الساحة الفلسطينية في الداخل في مناطق ال48 كمّا هائلا وبوتيرة عالية وقد تكون غير مسبوقة من التشريع العنصري الإسرائيلي. وظهرت هذه الوتيرة من التشريع في العام الحالي 2009 مع التأكيد ان مجمل هذه التشريعات جرى التحضير لها ما قبل العام 2009 أي ما قبل حكومة نتنياهو الحالية. وبهذا المفهوم لن يكون دقيقا ربطها بحكومة نتنياهو ليبرمان بل بمجمل المركز السياسي الاسرائيلي بيمينه المتطرف او يمينه الأقل تطرفا.

وهذه القوانين التي سن بعضها ولا زال البعض الاخر في طور الاقتراح الحكومي، تتمحور في المواطنة والولاء القسري على الفلسطيني للدولة اليهودية وقانون النكبة أي منع ذكر النكبة وربطه بـ"استقلال اسرائيل" ومنع المس برموز الدولة ويهوديتها. وهي قوانين قسرية صدامية تسعى الى مصادرة حق وذاكرة وأهواء وولاء شعب برمته لصالح من يستعمره ويحتل وطنه. انها قوانين تشكل بنية اضافية للملاحقات السياسية وللترهيب وقد يكون استعمالها مناسبا لحالات استثنائية مثل حالة حرب تستغلها اسرائيل مستقبلا لعملية تطهير عرقي او "تغيير حدود" او الغاء سحب مواطنة جماعية عن فلسطينيي ال48 او جزء منهم، وبالذات الحديث عن منطقة وادي عارة القريبة من الحدود مع الضفة الغربية المحتلة منذ 1967 مقابل ضمان الكتل الاستيطانية فيها تحت السيادة الاسرائيلية بموافقة السلطة الفلسطينية. ويضاف الى هذه التشريعات انظمة واجراءات تنفيذية وزارية مثل قرار وزير البنى التحتية يسرائيل كاتس من حزب الليكود تغيير وعبرنة اسماء المدن والبلدات العربية الفلسطينية. في حين توفر انظمة التخطيط والبناء والقوانين العنصرية المرتبطة البنية لاستهداف 42 الف بيت فلسطيني لاستصدار اوامر بهدمها، ناهيك عن قرى برمتها لا تعترف بها اسرائيل خاصة في النقب والجليل حيث تسعى الدولة وضمن عملية فك الارتباط مع غزة 2005 الى تهويدها ضمن مخطط وقانون والان وزارة النقب والجليل والتطوير بالمفهوم الاسرائيلي يعني استيطانا يهوديا وتطهيرا عرقيا للوجود الفلسطيني.

يضاف الى هذه القوانين ادوات قضائية من قوانين وانظمة واجراءات تتيح للدولة وبالذات الجهاز الامني دورا مطلقا. وأشير في هذا الصدد الى قانون سرية المعلومات وسريّة الادلّة، والذي يتيح لجهاز الشاباك او الجهاز الامني عامة ان يقدم أدلته في اية قضية قضائية وذلك امام القاضي/القضاة دونما أي حق للمدعى ضده او لمحامي الدفاع معرفة مضمون هذه الادلّة ويكفي ان يقبل بها القاضي لتصبح أدلّة تعتمدها المحمة في اصدار قرار حكمها المدين للمتهم حتى وان كان بريئا. لكن ايضا تتيح للمحكمة الاسرائيلية تجريم أي سلوك سياسي قانوني واعتباره مخالفة أمنية معادية للدولة واتصبح المحكمة المدنية محكومة بالمؤسسة الامنية مباشرة في كل ما يتعلق بالفلسطيني مواطن اسرائيل، حيث ان المبدأ الذي يسري هو انه على المتهم ان يثبت براءته وليس بريئا الى حين اثبات ادانته.

العنصرية البنيوية وقانون نهب املاك اللاجئين

ما يميز اسرائيل هو العنصرية البنيوية القائمة على اساس العنصرية المتسترة. والتي ليس بالضرورة ان تبدو على الملأ او يجاهر بها. فناهيك عن 23 قانون عنصري وتمييزي هناك بنية من المؤسسات الصهيونية الاسرائيلية والعالمية الشريكة في تقاسم العنصرية وتحويل التمييز من مسؤولية الدولة الرسمية الى مسؤولية هذه المؤسسات التي تبدو ظاهريا طوعية لكنها تتقاسم الحكم والسيطرة مع الدولة وحتى انها تعتبر نفسها فوق الدولة وان الدولة هي ملك يهود العالم. ومن هذه المؤسسات الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي والتي وفق دستورها تخدم فقط اليهود. ولهذه المؤسسات نفوذ واسع وسيطرة على مواقع اتخاذ القرار الاسرائيلي في كل ما يتعلق بالارض والاملاك والهجرة والاستيطان والتخطيط (من جانبي الخط الاخضر طبعا).


 

هناك قانون واحد ضمن القوانين الجديدة المدرجة في طور التشريع خلال صيف 2009 يندرج ضمن تقاسم العنصرية بين اسرائيل والصندوق القومي اليهودي. انه قانون "اصلاحات دائرة اراضي اسرائيل". وقد تم ادراجه للمراوغة ضمن ما يسمى القوانين الاقتصادية. وهذا القانون الذي بدأ نتنياهو وبتأييد اطراف المؤسسة الصهيونية الحاكمة العمل على تشريعه وتنفيذ جوهره حتى فبل ان يسنّ رسميا في النصف الثاني من التسعينات خلال حكومة نتنياهو الاولي وايضا خلال حكومة ايهود براك عندما كان اطار اتفاقيات اوسلو لا زال على جدول الاعمال بما فيه الجديث عن قضايا الحل الدائم. ويعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي هذا القانون المشروع الأهم في رئاسته للحكومة.

ويهدف القانون الى خصخصة املاك اللاجئين الفلسطينيين بمن فيهم المهجرين في وطنهم (حوالي ثلاثمائة ألف من فلسطينيي ال48)، وتهويدها من خلال صفقات تبادل وتحويل ملكية تعقدها الدولة مع الصندوق القومي اليهودي والذي يقوم على خدمة اليهود وحدهم والذي يستحوذ على موقع اتخاذ القرار في "دائرة اراضي اسرائيل" والتي هي جسم حكومي مركزي. وهذا القانون عمليا يتجاوب مع مركبين جوهريين في سياسة اسرائيل وهما المركب اللبرالي الجديد (النيوليبرالي) السائد اقتصاديا كونه يدر للدولة حوالي 60 مليارد دولار، وكونه عمليا يلغي البنية المادية لعودة اللاجئين الفلسطينيين حتى انه قانون التفافي على القانون الدولي اذ تصبح اسرائيل في موضوعة املاك اللاجئين طرفا ثالثا دوره هو حماية الملكية الخاصة لمواطنيه اليهود الذين استولوا على املاك اللاجيء الفلسطيني او استوطنوا في ارضه وبيته.

هل فقط نظام عنصري؟ في تعريف النظام

ان التمعن في هذا القانون ومجمل القوانين الجديدة فهي قوانين استعمارية ونخطيء اذا تعاملنا معها من باب العنصرية فحسب. فالعنصرية في اساسها تمييز في حين الحديث هنا عن جريمة اكبر بكثير تتمثل باحتلال وطن واقتلاع شعب من بلده وتطهير عرقي ونهب خيرات الوطن واستيطانه. وكل القوانين الاستراتيجية ذات الصلة بالهجرة والمواطنة والارض والتخطيط هي ادوات استعمارية تشكل العنصرية مركّبا واحدا منها. وهي قوانين تبدو ضد "مواطنين" لكنها تستهدف شعبا، ولا تقتصر على مواطنين فرضت عليهم مواطنتهم قسرا. ولا تشكل هذه المواطنة بالنسبة لهم سوى ولاء للوطن وتذكرة البقاء في الوطن والدفاع عنه وعن مجمل حقوق الشعب الفلسطيني. انها ليست ولاء لنظام كولونيالي عنصري بل مواجهة له ويجري استخدامها كاداة لادارة الصراع معه.

مواقع قوة يستهدفها القمع

في المقابل فان دور فلسطينيي ال48 على ساحة الصراع ليس محصورا بحدود مواطنتهم. بل هو دور يتقاسم مجمل الهمّ الفلسطيني والحق الفلسطيني. وهذا ما ظهر جليا في اوسع تحرك فلسطيني لمناهضة العدوان الاسرائيلي على غزة (نهاية 2008 وبداية 2009) لوقف المجزرة وكسر الحصار وهو ما ظهر في مناهضة العدوان على لبنان 2006، ويظهر جليا في المعركة عل القدس والمقدسات والاقصى، والمعركة على الاسرى الفلسطينيين والعرب في سجون اسرائيل وفي المعركة من اجل العودة وفي التصدي لمشروع الدولة اليهودية ولمخططات تهويد النقب والجليل وللسياسات لتهويد المدن الساحلية والكبرى ولسياسة هدم البيوت والمصادرة التي تستهدف كما هو مخطط اكثر من 42,000 بيت فلسطيني في مناطق ال48.

واضافة اليه فان فلسطينيي ال48 مشغولين بشكل مكثف في الدفاع عن هويتهم الوطنية التي أصبحت مشروعا وطنيا أوليا برؤية تكاملية لا- تجزيئية للقضية الفلسطينية. وتنشط مؤسساتهم محليا وعلى مستوى مجمل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وعلى المستوى العربي الاقليمي والعالمي. وهم عامل هام ومبادر في اعادة رسم حدود القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني المتكامل لا المجزّأ، والذي يعود في مرجعيته الى العام 1948 والنكبة واسقاطاتها وكذلك ما سبقها، ولا يقتصر على إسقاطات عدوان 1967. وهذا مركب جوهري للرواية الفلسطينية التي على اساسها تتحدد ملامح النضال من اجل الحق الفلسطيني كاملا وليس مجزّءا.

ان أحد اهم الانجازات التي حققها فلسطينيو ال48 هو تربية اجيال فلسطينية ناشئة وواعدة باستمرار على الثقافة الكفاحية وفي حمل راية النضال من اجل احقاق كامل الحق الفلسطيني. ويظهر ذلك جليا من خلال المؤسسات والاطر الشبابية بمبادرة شبابية والتي تلتقي في هويتها الوطنية والشبابية وكذلك تلتقي حول مفهوم الارادة في تحمل المسؤولية تجاه الحق الفلسطيني. ان هذه القطاعات الجيلية اصبحت تشكل الاكثرية في مسيرات مئات الالاف دفاعا عن غزة، او مسيرات العودة السنوية او حملات مناهضة مشاريع الاسرلة الهادفة الى فك الارتياط بين الشاب الفلسطيني وجماهيره وشعبه ووطنه وأمته العربية ورواية الحق، والاستعاضة عن ذلك بمشاريع الولاء وهذه المرة "بالاغراء" ضمن ما يسمى الانصهار في "الخدمة المدنية" كمسار مواز للخدمة العسكرية الاسرائيلية والتي تمنح الشاب "امتيازات" مادية، وهي عمليا اسلوب عنصري مطوّر يسقط الحق الانساني والوطني بالعيش الكريم ويشترط الامتيازات المادية بالولاء لقواعد الاسرلة.

وفي الواقع الفلسطيني الحالي والمجزّأ فان فلسطينيي ال48 هم – نسبيا - المجموعة الفلسطينية الاكثر تنظيما وحراكا وتوافقا داخليا. اذ توجد حركة سياسية قوية ومنظمة ويوجد مجتمع أهلي مدني قوي ومنظم وهناك علاقة تكاملية واضحة المعالم بين القطاعيين المؤسساتيين وهناك السلطات المحلية البلدية والمؤسسات الشعبية والتي تنضوي جميعا في اطار مرجعياتهم الطوعية والتي تشارك فيها مجتمعة كل التيارات والقوى الوطنية في اطار مشترك يستوعب التعددية القائمة وغير السهلة، لنجد التيار القومي والتيار الاسلامي والتيار اليساري مجتمعين في اطار مشترك طوعا وعلى اساس توافقي، وهذا الاطار "لجنة المتابعة العليا" يقود النضال الجماهيري الشعبي الجماعي. وهذا نموذج هام في المحيط العربي وقابل للتنفيذ او للتطوير فلسطينيا عامة وعلى امتداد الوطن العربي لو كانت ارادة شعبية وسياسية. ان أحد الدروس المستفادة من المأسة الفلسطينية وايضا من النضال الفلسطيني هي ضمان التنظيم والعمل الجماعي المنظم وهو شرط لاي انجاز جماعي، واداة لا يمكن التهاون بها في ظل حرب استنزاف يومية مفروضة عليهم طوال ستة عقود.

موقع القوة الاخر الذي يميز مؤسسات ال48 هو نجاحها والى حد ملموس في لفت انظار العالم الى ان حدود القضية الفلسطينية أوسع من حدود "الخط الاخضر". أي تنبيه حركات التضامن العالمية بأن الحق الفلسطيني هو ايضا في حيفا وصفد ويافا، وان ممارسات اسرائيل في الضفة والقطاع والقدس والجولان والتي احتلتها جميعا عام 1967 ليست اكثر كولونيالية استيطانية منها في مناطق ال48. فالتطهير العرقي في القدس والخليل لا يختلف عنه في يافا وعكا والبقيعة والنقب. والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية لا تختلف جوهريا عنها في نتسيرت عيليت وكرمئيل في الجليل، وعن نهب الوطن فحدّث ولا حرج, فتكفي جولة ميدانية لهؤلاء المناصرين في حي وادي الصليب في حيفا او مدينة صفد كلها او يافا وعكا واللد والرملة او جامع طبريا الذي تم تحويله الى بيت دعارة ومخدرات وجامع عين حوض الى مطعم وكنيسة البصة الى اسطبل لمواشي مستوطنة شلومي. ولم يردعهم عن ذلك سوى النضال الشعبي. ان فلسطينيي ال48 اصبحوا منبها للعالم بأن اسرائيل هي نظام عنصري وكولونيالي في جوهره ولا يستطيع ان يكون غير ذلك. وعمليا أشاروا الى ان الحق الفلسطيني لا يكتمل بالتخلص جزئيا حتى ولا كاملا من اسقاطات احتلال العام 1967. أي اصبحت قواهم وأطرهم الطليعية قوة شد باتجاه مناهضة التطبيع والمقاطعة على اسرائيل كنظام وليس على ممارسات لهذا النظام وحصر ذلك في تفاصيل مثل "منوجات المستوطنات".

هناك نقطة تحوّل هامة اصبحت ضمن الوعي الممارس لفلسطينيي ال48 وهي العلاقة مع البعد العربي الاقليمي، والتي يطلق عليها باللغة المحلية "التواصل" مع العالم العربي. وهي تزداد اهمية على ضوء الاخراج الرسمي للقضية الفلسطينية من بعدها العربي. وعمليا اصبح البعد العربي الرسمي يتجلى في كيفية التخلص من هذه القضية بصفتها مسألة فلسطينية صرف تعيق علاقة النظام العربي مع اسرائيل سعيا للعلاقة مع الولايات المتحدة وضمن المراهنة المطلقة على الولايات المتحدة. وهذا نهج السلطة الفلسطينية ورئاستها التي تخلت عن المقاومة ومشروع التحرر الوطني وناصبتهما العداء، وهو ذاته دور النظام العربي الرسمي. فبعكس ما تدفع باتجاهه اوساط قوية وبلورة ضمن فلسطينيي ال48 من التمحور في جوهر الصراع فان الشد الفلسطيني الرسمي والعربي الرسمي هو للتخلي عن جوهر الصراع واستبداله بصراع وهمي مذهبي فرضه العدوان الامريكي على المنطقة منذ احتلال العراق ضمن معادلة "التطرف والاعتدال" التي تمهد للتطبيع مع اسرائيل بوصفها "حليفا" ضمن معسكر الاعتدال والاصطفاف الناتج عنه في مواجهة حركات وقوى المقاومة والممانعة. وعندما نطرح في المؤسسات القيادية لفلسطينيي الداخل مطلب الحماية الدولية وتدويل قضايانا كما مجمل القضية الفلسطينية فاننا عمليا نطرح تحدي الشرعية ونفتح سؤال الشرعية وشرعية النظام العنصري الكولونيالي. وفي هذا الصدد فان سياسة العصا والجزرة تمارس على أشدها، فمن ناحية هناك الترهيب المباشر والتهديد والملاحقات السياسية وفي ذات الوقت هناك مساعي الاحتواء والاغراء المالي التي تتقاسم فيها الادوار اسرائيل والمنظمات الصهيونية العالمية وبالاخص التمويلية الامريكية منها. والتي تعتبر ان اسرائيل تابعة لها لكونها دولة اليهود وليس العكس.

لماذا التركيز على نقاط القوة

عندما تخطط المؤسسة الامنية الاسرائيلية مدعومة بالاكاديمية الاسرائيلية ومراكز ابحاثها الاستراتيجية، فانها تبني الاحتمالات على اساس الوضع الاسوأ لها وهو عمليا الوضع الاحسن للفلسطينيين. وعليه فانني أسوق نقاط القوة داخل فلسطينيي ال48 ليس من باب الاعتداد بالنفس الجماعية او المفاضلة مع مجموعات فلسطينية اخرى او للتستير على نقاط الضعف، بل لكشف الحقيقة بشأن المحصلة الآنية لمعادلة الصراع من ناحية ولكشف ما تحيكه اسرائيل. فاسرائيل تخطط بناء على القوة المقتدرة والاحتمالات القصوى لدى فلسطينيي ال48.

وعلى عكس التعامل الفلسطيني والعربي التجزيئي، فان اسرائيل تتعامل مع مركبات القضية الفلسطينية ومع مجموعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات على انها متكاملة. واي اضعاف لجزء منها هو اضعاف لكل الشعب الفلسطيني وللنضال التحرري واي تعزيز لقوة أي جزء من الشعب الفلسطيني هو تعزيز لقوة الشعب ولمشروعه التنحرري ولحقه.

في حين اسرائيل تسير وفق هذه المعادلة لكن وضمنها ايضا تسعى الى منع الطرف الفلسطيني من التعامل بشكل تكاملي كقضية واحدة ومصدرها واحد ومصيرها جماعي. ان أحد مركبات القوة الاسرائيلية ومساعي التفوق الاسرائيلي الاستراتيجي تعتمد على قوة اسرائيل الفعلية والدعم الامريكي من ناحية لكن ذات الوقت تعزيزها نوعيا بالضعف العربي والضعف الفلسطيني والابقاء عليه ضعيفا.


 

هل يحتاج النظام العنصري الى قوانين جديدة؟


 

لماذا هذا الكم الهائل من قوانين عنصرية صدامية يجري تشريعها في صيف 2009، هو لماذا وما هو الهدف منها؟ ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحية على ضوء الحقيقة الساطعة إن عنصرية إسرائيل تملك كل الأدوات لممارستها ولا تنقصها أدوات. وللايضاح فان القوانين المقترحة والتي تتعلق بالمواطنة والولاء والنكبة والاراضي واملاك اللاجئين والمهجرين هي قوانين تجري محاولات سنّها منذ سنوات وليست وليدة حكومة نتنياهو.


إسرائيل بصفتها نظاما استعماريا عنصريا بجوهره، قامت على ذات المبادئ والقيم التي تتضمنها القوانين الجدية المقترحة، ووضعتها دائما في صيغة الديمقراطية ودولة القانون. واستعان علم الاجتماع الإسرائيلي وعلم السياسة بغطاء ما يطلق عليه نموذج "الديمقراطية المحتمية" أي حق وواجب النظام الديمقراطي في الدفاع عن ذاته وعن ديمقراطيته. أي في الحالة الإسرائيلية تضييق هامش الديمقراطية وزيادة القمع القومي العنصري. ومفهوم الديمقراطية المحتمية الذي تروج له الأكاديمية الإسرائيلية من باب التحايل على الحق وتبرير القمع وحتى يجري ترديده من قبل قلة من الأكاديميين العرب، هو صيغة تبريرية دقيقة للمفهوم الصهيوني للدولة اليهودية الديمقراطية.

عنصرية محتمة وليس "دمقراطية محتمية"


ما نشهده مؤخرا هو عنصرية محتمية وليس "ديمقراطية محتمية". وهذا أمر هام أصبحت فيه الدولة والنظام العنصري في موقع رد الفعل بالمعني العام على التطور الجاري بين فلسطينيي الداخل في تبلور الهوية الوطنية والقومية والوعي المنبثق عنها في تحديد طبيعة الصراع مع الدولة والنضال من اجل الحق الفلسطيني. أي انه وبالصورة العامة فإن الدولة في تراجع، ووصول حكومة نتنياهو الى الحكم هو مؤشر للضعف لا للقوة. وهذا لا يقلل من المخاطر والتحديات لكنه يساعد في فهم المعادلة العامة للصراع.

وفي اطار العنصرية المحتمية تدخل سياسة الملاحقات السياسية واستهداف القيادات السياسية وقوانين سحب المواطنة التي تسعى جميعها الى فك الارتباط بين فلسطينيي ال48 والبعد الفلسطيني الواسع والعربي الاقليمي وحتى الاسلامي والعالمي. ومثال صارخ هو قانون سحب المواطنة الذي تم سنّه في اعقاب المنفى القسري لمؤسس ورئيس حزب التجمع الوطني الدمقراطي د. عزمي بشارة، والسجن لسنوات بحق قيادات الحركة الاسلامية وفي مقدمتهم رئيسها الشيخ رائد صلاح ناهيك عن لوائح اتهام عديدة ضده بتهمة التحريض ذات صلة بوقفته في مواجهة سياسة الاحتلال والدفاع عن المسجد الاقصى والمقدسات، والسجن لسنوات بحق الامين العام لحركة ابناء البلد محمد كناعنة، اضافة الى لوائح اتهام بحق عدد كبير من القيادات السياسية تتعلق بالقيام بدورهم السياسي وآخرها كان ضد رئيس الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة عضو الكنيست محمد بركة. لكن نهج نزع الشرعية لا يتوقف على هذه الامثلة بل يطال مؤسسات المجتمع الاهلي والمدني التي جرى ويجري اغلاق عدد منه بأوامر ادارية من وزير الأمن الاسرائيلي وتصادر مقارّها واملاكها وأموالها، وآخرها كان في صيف 2008 ضد مؤسسة الاقصى لحماية الاوقاف والمقدسات.

خلال العدوان على غزة وبناء على معطيات اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات تم اعتقال 243 ناشطا فلسطينيا غالبيتهم الساحقة من الشباب وعدد كبير ممن لا زالوا دون الثامنة عشرة. كما تم استدعاء المئات للتحقيق لدى جهاز الامن العام – الشاباك. وتمحورت التحقيقات والتي شملت قيادات بمن فيهم كاتب هذه السطور اضافة الى استهداف الشباب والاجيال الصاعدة ملوحين بالترهيب والترغيب، ضمن مسعى واضح المعالم هدف الى اختراق فلسطينيي ال48 والنيل من معنوياتهم وإضعاف تنظيمهم وجاهزيتهم الكفاحية.

وعودة إلى ما يجري اليوم فان التغير الهام الأخطر الذي قد يحصل هو في تأكيد الدولة لكل عنصري بأن دولة القانون لن تقف بوجه العنصرية. وإذ تتعامل إسرائيل مع ذاتها كدولة قانون ونظام مركزي قوي، وموقع اتخاذ قرار امني سياسي اقتصادي مركزي جدا، فانها تبدي في التصعيد التشريعي الحالي نقيض ذلك. أي ان كوابح القانون وكوابح الدولة سوف يجري التخفيف منهما بقرار من الدولة وسلطتها المركزية. فالقمع المباشر من الشرطة والشاباك والجهاز القضائي فشل في النيل من إرادة جماهيرنا ووعيها. وبدأنا نشهد حتى نوعا من الخصخصة اذا جاز التعبير خصخصة في مجال القمع والعنصرية. ليتقاسم العنصريون الدور مع الدولة في الاعتداء علي فلسطينيي ال48 واستنزافهم. ولتبدو الدولة كأنها طرف ثالث بين مجموعتين سكانيتين متصادمتين. وقد شكلت اعتداءات عكا الدموية العام الفائت على الوجود العربي الفلسطيني فيها نموذجا وبالتأكيد ليس نهاية المطاف. وفي حالة حرب ستكون الجماهير الفلسطينية مستهدفة مباشرة من الدولة ومباشرة من الجموع العنصرية والتنظيمات الارهابية الاسرائيلية. وحتى من الجيش الاسرائيلي حيث توجد كتيبة عسكرية جاهزة لهذا الشأن أعلن عنها عشية المناورات الاسرائيلية الكبرى ومتعددة الاذرع والتي جرت اوائل حزيران 2009.


 

خلاصة القول

لن تصبح إسرائيل أكثر عنصرية مع القوانين الجديدة بل أنها ستواصل عنصريتها الاستعمارية بشكل منهجي كما كان منذ العام 1948 كدولة. فالقوانين منبثقة من عنصريتها ولا تخرج عن إطار عنصريتها. وللحقيقة هناك حاجة لتطوير الخطاب الفلسطيني والعربي السائد والقراءة الدقيقة للعنصرية الإسرائيلية. فاتهام إسرائيل بالعنصرية هو وصف جزئي فقط لجوهر أخطر بكثير من العنصرية. والسياسة الإسرائيلية كما جوهر المشروع الصهيوني تجاه الفلسطينيين هي استعمارية إقتلاعية في حين أن عنصريتها تنبثق من هذا الجوهر. وهو جوهر في التعامل مع جماهير شعبنا في الداخل ضمن رؤية استعمارية للتعامل مع مجمل الشعب الفلسطيني وحقوقه ومع مجمل المحيط العربي الإقليمي. إن نظاما استعماريا قام على أنقاض شعب بعد ان اقتلعه من وطنه واستوطن عليها لا يستطيع ألا يكون عنصريا. وجوهر إسرائيل وقوانينها وأنظمتها وطبيعة نظامها كلها تعكس ذلك وتؤكده. وأي وهم في غير ذلك هو نتاج الهزيمة العربية لا الحقيقة التاريخية.


 


فلسطينيو الداخل يمرون بحالة هي أشبه بحرب استنزاف معلنة كان أطلق جولتها الحالية رئيس جهاز المخابرات العامة الشاباك يوفال ديسكين أوائل العام 2007 عندما اعتبر فلسطينيي الداخل خطرا استراتيجيا على الدولة اليهودية. وقد توصل إلى هذا التحديد على ضوء إخفاق العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 وما تبعها من تحولات استراتيجيه في مفهوم الأمن القومي والحرب المستقبلية. بما في ذلك دور فلسطينيي الداخل الشعبي والمعنوي في مقاومة العدوان.


وفي عدوان العام 2009 على غزة، كانت الجماهير الفلسطينية في مناطق ال48 هي الحلقة الأكثر تنظما وكفاحية داخل تجمعات الشعب الفلسطيني. وحملة الترهيب ألمخابراتي واستنزاف قوة الناس ومعنوياتها أصبحت نهج دولة تصعيدي متصارع بوتيرة سريعة جدا. إنها محاولة لتشتيت القوة الجماعية ومنع تطوير وتكامل التنظيم الجماعي وإغراق جدول اعمال هذا الجزء من الشعب الفلسطيني بقضايا تفصيلية عادة ما يكون الهدف منها الإبعاد عن الجوهر. والهدف الإسرائيلي الأهم هو إضعاف النضال الفلسطيني عامة كي يتمكنوا من مواصلة الانقضاض على الحق الفلسطيني.


القوانين الإسرائيلية الجديدة ليست حدثا بحد ذاته بل جزءا من نهج متكامل، يستهدف كياننا المنظم ويستهدف استبعاد دور الداخل من معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والإقليمي العربي الإسرائيلي. انها قوانين للملاحقة السياسية وللترهيب الذاتي لجماهير شعب كسرت حاجز الخوف والترهيب منذ عقود ولا تقبل أن ترهن حقوقها ودورها فلسطينيا وعربيا للقانون الإسرائيلي ولن يردعنا ثمن الموقف.


 

معادلة الصراع بين فلسطينيي ال48 واسرائيل هي ليست ثنائية بل متعددة الاطراف. انها جزء ومركّب عضوي من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والعربي الاسرائيلي. الامر الجديد نسبيا هو الاعتراف العربي الشعبي والاعلامي ونوعا ما الرسمي بتزايد محورية دور فلسطينيي ال48 وباعتباره دورا استراتيجيا في مناهضة المشروع الاستعماري العنصري.


لنحدد اين المعركة لا اين تجري المناورة

الانشغال العربي الزائد في يهودية اسرائيل

لو كان الوضع العربي معقولا وأقلّ بؤسا مما هو، لما كلن انشغاله في التطبيع العربي االرسمي مع اسرائيل مقابل "تنازلها" عن "توسيع الاستيطان" لان في ذلك التطبيع تطبيع ايضا مع الاستيطان القائم. بل كان انشغاله في جدول اعمال حقيقي ويطرح مسألة شرعية اسرائيل، بغض النظر كيف تعرّف ذاتها. فقد تعرف ذاتها بأنها "واحة الدمقراطية" او دولة يهودية دمقراطية او دولة يهودية ودولة اليهود، وكل التعريفات لا تغير من جوهرها الاستعماري العنصري. فلولا حالة الهزيمة والعجز لما تعامل العالم العربي بشكل ثابت مع جدول الاعمال الذي تطرحه اسرائيل، بل كانت اسرائيل تعاملت مع جدول اعمال العالم العربي وقد لا تجروء حينها على طرح موضوع تعريفها لذاتها ومطالبة العرب بالاعتراف بهذا التعريف والتطبيع معه.

التطبيع هو تنازل باسم الشعوب العربية والامة العربية للمستعمِر. وفي وضع أقل بؤسا كان من المتوقع ان ينشغل العالم العربي بالسؤال حول شرعية اسرائيل لا حول يهوديتها، أي ان المسألة الاولى اصبحت مفروغ منها. ولكن البؤس وصل وضعا يقبل بالتطبيع مقابل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية! وتطبيع اسرائيل يعني تطبيع عنصريتها ايضا وطابعها الاستعماري.

سواء اطلقت اسرائيل على نفسها اسم دولة او دولة دمقراطية او واحة الدمقراطية ام دولة يهودية ودولة اليهود فان طابعها سيبقى ذاته..انها كيان استعماري عنصري قام كذلك وتعزز جوهره العنصري والاستعماري يوميا. ولم تصبح اكثر عنصرية او استعمارية بعد احتلال 1967 منه بعد احتلال 1948.

السؤال المركزي المطلوب من العالم العربي الرسمي والشعبي ان يجيب عليه متعلق بمسألة شرعية اسرائيل ويهوديتها مشتقة من هذا السؤال وليست هي السؤال المركزي. فلو أعلنت ذاتها دولة دمقراطية تصبح أكثر شرعية؟؟

من الاهمية بمكان في ادارة الصراع تحديد موقع المعركة وطبيعتها لا طبيعة وموقع المناورة. والمعركة اليوم هي مسعى صهيوني لتصفية أي موقع قوة داخل الشعب الفلسطيني بهدف الانقضاض على الحق الفلسطيني وعلى امكانيات تحقيقه مستقبلا. انها مسعى لتحصين المشروع الاستعماري العنصري، والتطبيع معه والتراجع عن مواجهته يفتح الطريق امام المزيد من انتهاك الحق الفلسطيني والحق العربي ويعزز تمادي المشروع الصهيوني..


 


 

الكاتب قيادي فلسطيني رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات والمدير العام لاتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) في فلسطين48


 

تم نشر المقال في مجلة العرب والعالم (العدد الثاني) والصادرة عن مركز العرب والعالم للدراسات والإعلام (صيف 2009)

Friday, September 25, 2009

هبة الأقصى: أسئلة مفتوحة وتوقعات للصدام القادم


 


 


 


 

أمير مخول


 

انطلقت انتفاضة الأقصى من جانبي الخط الأخضر بتزامن ملفت للنظر، لتزيل ولو بشكل مؤقت الحدود التجزيئية داخل الشعب الفلسطيني، ولتعيد رسمها كحدود صراع مع إسرائيل. الحدث المركزي الذي كان شاغلا في حينه كان حضور ما يسمى قضايا الحل الدائم مع انهيار اتفاقيات أوسلو الظالمة وانحسار الوهم الذي جلبته معها بإمكانية قبول الفلسطيني أينما كان بحل ينتقص من حقوق الشعب الفلسطيني، كما أكدت غياب إمكانية حل عادل قائم على استعادة الحق الفلسطيني في المعطيات الدولية والإقليمية والمحلية القائمة. وانطلقت الانتفاضة كذلك معبرة عن وعي مغاير لوعي الأسرلة الذي اتسع مداه بداية التسعينات، وشكل البعد الوطني القومي والإسلامي المتفاعل قوة دفع كبيرة لانطلاقتها.

بقيت مشتعلة في حينه الضفة والقطاع لكنها همدت بعد أسبوع من الزمن في الداخل. ومع هذا فإن تزامنها وكذلك تواصلها لمدة أسبوع أو أكثر يجعلها حدثا مفصليا فيه مؤشرات لكيفية أدارة الصراع مع الدولة وكذلك مؤشرات لقوة الكتلة البشرية عندما تنطلق.

الكتل البشرية الفلسطينية في الداخل لم تنطلق في انتفاضتها بناء على قرار من أحد بل رغم القرار الثابت لدى مرجعياتنا المحلية الذي سعى ولا يزال يسعى لمنع انطلاقها. وهذا نقاش داخل الصف الوطني لا خارجه. وليس تشكيكا بنوايا بل تحديدا لمشكلة. فالحجة المركزية لتدارك الصدام هي الحرص على الناس وحمايتها وهو موقف لا تجوز الاستهانة به. لكن وفي المقابل لا "الحرص" والامتناع عن الصدام مقدس ولا الصدام ذاته مقدس وكلاهما مستويات لنضال وصراع جوهره واحد. ومع ذلك لا بد أن نعترف ان قرار المرجعيات او القرار الجماعي لا يزال يعطي المواطنة وقواعد لعبتها قيمة شبه مطلقة، وكما لو كانت هذه المواطنة مكسبا وطنيا او تقرير مصير.

انتفاضة الأقصى شكّلت حدثا خارج حدود المواطنة بل كانت قوتها بكسر قواعد اللعبة القسرية المفروضة على وجودنا. ففي نضال الشعوب المقموعة وضمن واقع استعماري يصبح كسر قواعد اللعبة وإبطال مفعول القواعد القسرية قضية جوهرية في إدارة الصراع مع المستعمر ونحو إحقاق حقوقها.

المواطنة لا تحمي الفلسطيني وليست امتيازا إسرائيليا للفلسطيني بل أداة سيطرة وترويض من قبل الدولة في حين بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل هي أداة للبقاء في الوطن والدفاع عنه وعن حقوق شعبنا فيه. ومع هذا لم تكن الخيار الفلسطيني بل الفرض الإسرائيلي.

أسئلة مفتوحة

أولا: هناك علامات سؤال حول لقاء "فوروم معالي هحميشاه" والذي كان في مركزه مجلس الأمن القومي الإسرائيلي وتواصل ثلاثة أيام وتبعته لقاءات عدة، وماذا جرى فيه ولماذا وافقت قيادات من لجنة المتابعة المشاركة فيه من وراء علم الناس ومن وراء إرادتها؟ ماذا جرى هناك وكيف تمر تسع سنوات وكأنه سر مكتوم...وماذا بشأن المليارات الأربعة التي أعلنت عنها حكومة إسرائيل على خلفية هذا الملتقى السري ظنا منها بإمكانية شراء ذمة شعب واحتواء ارادته؟

وبعد كل مواجهة او هبة جماهيرية تبدأ المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية والعالمية بمسعى الترويض والإغراء حفاظا على الدولة اليهودية الدمقراطية. وبشكل منهجي هناك تقاسم ادوار بين النظام العنصري الاسرائيلي ومؤسساته وبين المنظمات الصهيونية العالمية. فالنظام يظهر من خلال الشاباك والملاحقات السياسية والقوانين التصفوية في حين تأتي المنظمات الصهيونية العالمية بالاغراء المالي ومساعي الاحتواء بمسميات مختلفة.

ثانيا: لجنة اور: لم تكن جماهيرنا بحاجة للتفتيش عن الحقيقة وراء مجزرة العام 2000 حيث راح ضخيتها الشباب الثلاثة عشر في الداخل (اكثر من ألف شهيد في غزة والضفة)، ولا الكشف عن العدالة فالعدالة جدا واضحة وأوضح منها غيابها. اما الحقيقة فهي ما لسنا بحاجة للانشغال بها لاثباتها بل الدفاع عنها ومنع تناسيها القسري. وتأكيد شرعية هيتنا في مواجهة معادلة اسرائيلية مفضوحة قالت ان المشكلة والصدام هما نتاج "تطرف العرب" لتبدو اسرائيل امام نفسها ومجتمعها انها ضحية "تطرف" ضحاياها.

علينا ان نعيد النظر بشأن لجنة اور ورغم النقاش السياسي حول جدوى وجدارة المطلب بلجنة تحقيق فإن لجنة اور في نظرة شاملة شكلت أداة إسرائيلية للتحقيق، ومحصلة دورها كانت "لتحسين" الأداء الإسرائيلي باتجاه المواجهة القادمة. أي ان تكون الدولة اكثر دهاء في قمعها وفي اطلاق النار (منذ العام 2000 قتلت الشرطة العشرات). والقوانين التي سنّت منذ العام 2000 هي قوانين ملاحقات سياسية هدفها شرعنة القمع. استخلاص العبر ليس من باب الماضي وانما درسا للمستقبل. هل نطالب مثلا لا حصرا بلجنة تحقيق إسرائيلية ام دولية فيها نزع لشرعية القضاء والسياسة الإسرائيليين.

أكدت لجنة اور ايضا أن الاداء القضائي الراقي لمؤسسات شعبنا لا بد منه لكنه ليس ملاذا ولن يحسم الامور ولن يغير الواقع. بل تغيير قواعد اللعبة معها. الانتفاضة في الداخل متزامنة مع الضفة والقطاع هي التي غيرت قواعد اللعبة في حين ان التفاعل الهائل مع لجنة اور وبالذات التوقعات السياسية منها عوّقت المسار.


 

ثالثا: لجنة المتابعة ظهرت في عجزها في العام 2000. ونأمل ان الحراك الحالي والذي تعيشه ألان يأتي بثمار ولن تكون اكثر من محدودة ما دامت غير تمثيلية – هناك حاجة ملحّة ومسؤولية كبرى ببناء مرجعية منتخبة مباشرة وجمهورها يحميها وتحميه بدل حالة الغربة الشعبية القائمة، في حالة تفاعل جديد وانتخابات فانها سوف تنتج مرجعية عليا أكثر تطورا وبرنامج عمل وطني، لا يحدده سقف الحزب او الحركة الذي يطرح السقف الأدنى كما هو اليوم من باب الإجماع على القاسم المشترك الأدنى، بل تحدده إرادة الناس بكل تفاعلاتها والتي أثبتت انتفاضة الأقصى في الداخل أنها أعلى سقفا من الاجماع الحالي للجنة المتابعة.


 


 

رابعا:في نظرة تقييمية إلى انتفاضة الأقصى جدير أن نؤكد انه تطور في العقد الأخير خطاب حقوقي جديد، والحقوقي لا يعني القانوني بالمفهوم الإسرائيلي بل بمفهوم حقوق الإنسان والشعوب والنضال لإحقاقها بوسائلها هي. .وكان دور مركزي وريادي في بلورته للمجتمع المدني الأهلي بصفته قطاعا مؤسساتيا شريكا للحركة السياسية في بلورة الخطاب وفي تنظيم المجتمع. كما ان المجتمع الأهلي الفلسطيني في الداخل أسهم جوهريا في تطوير الخطاب الفلسطيني باتجاه تطوير أدوات جديدة ومنها مطلب الحماية الدولية الذي أطلقه اتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) ومعارضة قوية في حينه من قوى سياسية مركزية ومن إجماع لجنة المتابعة في حين تحول هذا المطلب لاحقا الى إجماع وطني. وهو نتاج عملية تفاعل حي.


 

خلاصة

من حق جماهيرنا وواجبها ان تتدارك الصدام المعنية به الدولة لكن المهم ان يكون منع الصدام وتداركه من خلال خلق حالة ردع للدولة وليس خضوعا لها. والموضوع مع الدولة ليس الإقناع ولا سوء تفاهم، بل خلق واقع يصبح فيه وللخلاصة فمن المهم القناعة ان للدولة ومؤسساتها الأمنية والمدنية ما تخسره أيضا. وأهم خسارة للدولة ولأهدافها تكون زيادة وتعزيز المناعة الوطنية لجماهيرنا وبالذات الأجيال الصاعدة، وتدويل قضايا فلسطينيي الداخل ومناهضة تطبيع إسرائيل عربيا ومقاطعتها كنظام دوليا. للدولة ما تخسره وتخاف منه هو زج فلسطينيي الداخل في القضية الفلسطينية واعتبارهم لأنفسهم جزءا منها ومن التفاعل داخل أطياف الشعب الفلسطيني في بناء المرجعيات وليسوا مسألة اسرائيلية داخلية. وتخاف الدولة من السؤال حول شرعيتها كنظام وهي مرحلة ستواجهها الدولة أيضا بالتصعيد.. لكن سعة الكتلة البشرية الفلسطينية والمناعة الوطنية هي أساس لردع إسرائيل وبناء مقومات مقاومة شعبية متطورة وصلبة.


 

23/9/2009

Thursday, September 3, 2009

ونواصل التواصل

ونواصل التواصل

أمير مخول


 

مسألة اعتقال الشاب راوي سلطاني هي فردية بمفهومها القضائي وجماعية ببعدها السياسي. فرديّة كملف في المحكمة وبكيفية إدارته داخل أروقتها، وجماعية لأنها قضية شعب وشبابه وقضية مسؤولية مجتمعية وموقف من المحكمة والمحاكمة سواء تم إطلاق سراح سلطاني قريبا أم جرى تمديد اعتقاله حتى نهاية الإجراءات.

في العام الجاري وحده جرى وبشكل منهجي استدعاء مئات الشباب العرب إلى مقرّات الشاباك ليقوم موظفو أجهزة الأمن بالتحقيق معهم ومحاولة ترهيبهم وترغيبهم إن أمكن. وفي كل الأحوال تكون على الأقل محاولة لاحتلال وعيهم ومعنوياتهم.

وهذا استمرار منطقي لما حددته إسرائيل في أوائل العام 2007 على لسان رئيس مخابراتها يوفال ديسكين في تقرير رفعه إلى رئيس الحكومة اولمرت بان الجماهير الفلسطينية في الداخل هي خطر استراتيجي. والجديد في ذلك كان بالأساس بالمصارحة والمجاهرة وقرار الشاباك بالتظاهر بقوة في حياة الجماهير العربية والسعي لاستعادة هيبته ورهبته التي تآكلت مع تعاظم الوعي الوطني وبالذات بين الأجيال الصاعدة، حيث فقدت المؤسسة الأمنية قوة ردعها لتجد نفسها أمام حاجة لخلق قواعد لعبة ترهيب جديدة.

لقد استغلت إسرائيل ما يسمى عالميا "الحرب على الإرهاب" وهي اكبر عملية إرهاب دولي رسمي منظم في العقود الأخيرة، وتداخل دور المؤسسة الأمنية بالمدنية بالقضائية وبالإعلامية، لتعزز قمعها وعدوانيتها خارجيا وداخليا، فهذا ما شاهدناه في لبنان 2006 وفي غزة 2009 وفي الداخل وبشكل مكثّف جدا منذ مجزرة العام 2000 ولغاية اليوم من خلال سياسة نزع الشرعية والحق بالوطن والحق عليه سواء أكان ذلك بسيل القوانين الاستعمارية في جوهرها أم في الملاحقات الأمنية أم في الحملات التهجيرية العنصرية.

في الواقع المعاش تقوم إسرائيل بتظاهرة عداء قمعية غير عادية تجاه جماهير شعبنا، وتتعامل مع عملنا السياسي والمدني بأدوات أمنية، الدولة ومخابراتها هي التي خلطت ما بين السياسي والأمني وألغت الحدود. ليصبح قانون المواطنة مسألة أمنية والحق بلم الشمل أمنا، والحق بالصلاة في الأقصى أمنا والحق بالتواصل أمنا وبالتكاثر الطبيعي أمنا أيضا.

إن علاقتنا بشعوبنا العربية هي علاقة حق طبيعي بالنسبة لنا وواجبنا ومسؤوليتنا أن نعززها ونوسعها آخذين بالاعتبار أن إسرائيل تتعامل معها كمسألة أمنية. لكن واجبنا هنا أيضا أن لا نرهن أي حق طبيعي لنا وأية علاقة ببعدنا الفلسطيني والعربي بالمزاج الإسرائيلي ولا لقواعد لعبة قمعية تتناقض مع حقنا – حق الإنسان الطبيعي والذي يصونه القانون الدولي.

يجب ألاّ يغيب عن بالنا أنّ أنظمة عربية مخترقة خارجيا لا تحمي ذاتها من شيء وتمنع اختراقها الا من شعوبها هي فقط، ومثل هذه الأنظمة تشكل معقلا للتجسس الإسرائيلي، فالمخابرات الإسرائيلية تستهدف تواصلنا الفلسطيني والعربي سواء محليا حيث نحن في وطننا ام في بلدان عربية لها امتدادها فيها. وحدث في السنوات الأخيرة أن قامت أجهزة أمنية في دول عربية بملاحقة متزامنة وموازية تجاه أطراف شعبية ومدنية عربية في حين لاحق الشاباك مؤسسات وأفراد في الداخل حول نفس الموضوع واستهدف الطرفان في حينه علاقات التواصل ذاتها.

طبيعة المرحلة هي مظاهرة العداء وعدوان الملاحقة السياسية والترهيب السياسي ومساعي الشاباك لاحتلال الأذهان لدى الأجيال الصاعدة لأنه يدرك كما ندرك نحن أن احتلال الأذهان يعني أن نخضع كمجتمع وشعب تلقائيا وعفويا لقواعد لعبة الشاباك وننتقل من مواجهة الترهيب السياسي الأمني إلى تحويله ترهيبا ذاتيا طوعيا بلائم نفسية المهزومين لا نفسية شعب صاحب حق ويناضل من اجل استعادة العدالة.

هناك أهمية لرؤية حركة التحرر الوطني الفلسطينية وحركات الشعوب العربية والتي اعتبرتنا نحن فلسطينيي الداخل بعدا استراتيجيا لكن بالمفهوم السياسي وبمفهوم الصمود لا بمفهوم الكفاح المسلح. وما يميز حركات التحرر وحركات الشعوب الحيّة أنها تملك نظرة إستراتيجية بعيدة المدى والهدف هو مشروعها التحرري وليس الوسائل، كما أن إستراتيجيتها متعددة المسارات مهما كانت أولوية أي مسار بالنسبة لها. لذلك كلها جميعا تشهد بدور الجماهير العربية في الداخل هكذا في يوم الأرض وانتفاضة الأقصى وعدوان إسرائيل على لبنان 2006 وعدوان إسرائيل على غزة مطلع هذا العام والسجلّ طويل.

الحذر أولا من الملاحقات الإسرائيلية والحذر هو الوعي بأن صمودنا وتطورنا وصيانة الوطن والحق ومدّ صمود شعبنا هي من أهم ما في دورنا. ففي إدارة الصراع هناك أهمية كبرى لحماية الذات وللنفس الطويل والتدعيم الذاتي والقدرة على مواجهة أي وضع واية وضعية. وهناك أهمية كبرى في تحمل المسؤولية الجماعية عن أية قضية ذات صلة بالصراع. وفي هذا واجب اخلاقي ومعنوي. وعليه يجب ان نتعامل مع القضية طي البحث كقضية تخص مجتمع بأسره لا عائلة واحدة ولا حزب واحد.

نحن الفلسطينيين في الداخل أكثر من يدرك ويتلمس حدود القانون الإسرائيلي وبالتأكيد أكثر من الإسرائيليين أنفسهم. فبالنسبة لهم القانون هو نظام ضابط ومساحة حرة توفرها الدولة اليهودية لليهود فقط، وبالنسبة لنا نظام قامع يضيّق الخناق بشكل منهجي ولا تبقى لنا مساحة الا بقدر ما نواجه ونناضل ضد القمع وقوانينه.

الجانب المعنوي ودورنا فيه وواجبنا فيه حماية المجتمع وحماية الوجود وتوفير الحماية للأجيال الصاعدة والقصد هو تحمل المسؤولية تجاه كل سلوك ناتج عن وعي مجتمعي أو وطني. فهناك حاجة إلى أقصى درجات الحذر واليقظة وهناك حاجة الى عدم الارتداع عن القيام بدورنا وبتواصلنا وهذا يقع في مسؤولية العمل السياسي والأهلي والمؤسساتي.

لا نقبل بقواعد لعبة الواقع ألقسري ألتعجيزي حيث يحاول الشاباك احتلال أذهان الشباب وجعلهم في وضع يتخوفون من اية علاقة مع المحيط العربي الواسع. لا نقبل بان نكون ملزمين جماعيا بالتعرف مسبقا على كل من نصادفه في هذا الموقع أو ذاك من العالم العربي والعالم اجمع انه فرض تعجيزي هدفه الإيقاع بالفخ...أو جعلهم يخافون من التواصل. اننا نقوم بالتواصل مكشوفين ومدركين ان أجهزة المخابرات الإسرائيلية (والعربية أحيانا) تراقب تحركاتنا فهل نتوقف عن الحركة؟ إنهم يراقبون هواتفنا النقالة وبريدنا الالكتروني ويخترقون الفيسبوك ويتنصتون.. فهل نخضع لترهيبهم وهل نتصرف كملاحقين (بفتح العين) ام يوجهنا حقنا وشرعية نضالنا؟ وأما هم فليراقبوا ما شاءوا.

وزيادة عليه نحن ننطلق من شرعية نضالنا وشرعية تواصلنا كحق ومسؤولية وهذا ما يوجهنا، وبالأكثر شرعية قضيتنا قضية شعبنا. كما ندرك أن زيادة وزن الداخل هي نتاج مستوى تنظيمه ووعيه وصموده ومقاومته الشعبية ودفاعه عن الوطن ومدّ مجمل مقومات النضال الفلسطيني لتصبح جماهيرنا في الداخل قوة سياسية ومعنوية ملموسة في معادلة الصراع في المنطقة.

إننا مطالبون أن نحمي وجودنا ونحمي حقنا في الوطن وعليه ونحمي حقنا بالتواصل مع المدى العربي. تواصل على أساس مناهضة التطبيع. لأنه لا سد أمام اختراق المخابرات إلا وعي الشعوب العربية وحريتها. والتواصل هو عملية علنية ذات رسالة واضحة.


 

3/9/2009