Saturday, July 9, 2011

مطلوب صندل وبشكل فوري لسجن الجلبوع

جنان عبده*

- هل أعطوك نسخة من الصورة التي أرسلتها بالفاكس؟
- لا!
- وماذا عن الصورة التي أرفقتها لرسالتي من قبل أسبوع، ألم تصل؟
- لا ، لم أستلم شيئًا.
ونكمل محادثتنا، وعلامات التعجب تجول في بالنا، بينما ننظر لعقارب الساعة التي تداهمنا وتسرق منا الوقت، لتعلن فجأة دون سابق إنذار عن إنتهاء الخمس وأربعين دقيقة. نودع بعضنا البعض. تتوقف سماعة الهاتف عن توصيل صوته عبر الزجاج. أُجبر نفسي على ترك الغرفة كي أخفف عنه صعوبة الفراق القسري،  ونتواعد على أن نلتقي بعد أسبوعين.
تمر الخمس وأربعون دقيقة. يبدأ على الفور العد التنازلي لللقاء القادم بكل ما يحمله من معان وشوق. صارت حياتنا مخططة على إيقاع  لقائنا مرة كل أسبوعين،  نتحدث عن ما قبل وما بعد يوم الأحد.
مر أسبوعان. كانت بدايتهما طويلة ومملة ولكن حالما إنقضى الأسبوع الأول بدأ الوقت يركض. وجاء يوم الاحد. وبدأت محادثتنا بسؤاله:
- هل أعطوك نسخة من الصورة التي أرسلتها بالفاكس؟
- لا!
- وماذا عن الصورة التي أرفقتها لرسالتي من قبل أسبوع، الم تصل؟
- الرسالة وصلت لكن لم أستلم الصورة. وصلتني أيضا الرسالة رقم 60.
- لكني أرسلتها مع الرسالة رقم 59. وقد أرسلت بالبريد الرسالة الـ 61 مفروض أن تصلك قريبا. غريب!!
غريب جدًا. أنا أرسلتها بالبريد المسجل كي لا يضيع أي شيء من محتواها. ولكي أضمن وصولها على الرغم من أن تكلفته تفوق بخمسة أضعاف تكلفة البريد العادي.

يستغرب كلانا الأمر. ولكن سرعان ما نجدنا منهمكين بالأمور الأهم. شوقنا وحبنا وحركات التضامن وتفاصيلنا اليومية الصغيرة والتي أصبحت ذات أهمية فائقة، خاصة أنه لم يعد هو شريكًا فيها إلا من خلال رسائلنا وما يصله منا من تفاصيل. يتفاعل مع التفاصيل الصغيرة بشوق ولهفة ويلتقط كل كلمة وكل حركة، ليراجعها عندما يكون لوحده في الزنزانة. ومثله نفعل عندما نعود للبيت.

وقبل أن ينتهي اللقاء وتخطف عقارب الساعة منا ما تبقى لنا من دقائق، أتذكر فأقول:
- لا تنسى أن تسألهم، وقل لهم أن زوجتي أرسلت الرسالة بالبريد المسجل ووضعت فيها صورة الصندل وأيضا إضافة لذلك أرسلت الصورة بالفاكس كما أقترح علي مدير القسم. عندما قال "إرسلي نسخة إن أردت بالفاكس، لديك الرقم الذي ترسلين عليه رسائلك دائما".
لم أتأكد يومها، من المعاني المحتملة التي كانت كلمات مدير القسم تحملها هل كان يستهزيء بي أم أنه كان يعرف بأنني أتابع كل الأمور، ولا أتساهل مع عدم ردهم. فقد كنت أرسل لمدير السجن وضابط الأسرى رسائل بين الحين والآخر حول مواضيع مختلفة تتعلق بزوجي المعتقل في سجنهم . وكما عودت نفسي  ألا أعطي تصرفاتهم وأقوالهم الكثير من وقتي.
 ككل مرة إنتهى اللقاء  وأجبرت نفسي وبناتي، على ترك غرفة الزيارات، كي أخفف عنه وطأة الفراق، فهي اللحظات الأصعب، حيث يغيبه السجن. خمس وأربعون دقيقة تتبخر أمام أعيننا لأسبوعين آخرين كأنها لم تكن ليختفي من أمام أعيننا مجدداً ولمدة أسبوعين. إنها اللحظات الأصعب لدى جميع السجناء. كل يحاول أن يسرق وقت لا يتعدى الدقائق المعدودة من خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل بينهم وبيننا، بين هؤلاء الذين يقبعون خلف جدران السجن وبين عائلاتهم.
ننشغل خلال الأسبوعين بالتفكير به. ولا تفارقنا الأسئلة عن أحواله وما يمر به؟ وما يشعر به؟ وبماذا يفكر؟ وكيف هي أحواله؟ وفقط عندما تصل رسالة مرة كل أسبوعين تقريبا، نلتقط بعضًا من تفاصيل حياته داخل سجنهم. فاقرأ الرسالة مرةً وإثنتين وثلاثة...وأعيد قراءتها إلى أن نلتقي وإلى أن تصل الرسالة التي تليها.
بعد أيام من لقائنا الأخير وصلت منه رسالة،  ومما حملته من أخبار، فهمت أنه أخيرًا  صمم على معرفة مصير الصندل فقيل له:
ـ صحيح وصلت صورة سوداء غير واضحة بالفاكس، من زوجتك، مزقناها والقيناها جانبًا.
ـ وماذا عن الصورة المرفقة مع الرسالة؟
ـ لا لم تصل!
قال له مدير القسم.
ـ لكن زوجتي أرسلتها بالبريد!
ـ لم نرها.
ـ لكنها تقول أنها أرسلتها مسجلة ولقد وصلتني الرسالة التي تلتها.
ـ لم نرها.
وفجاة،  بعد ساعتين من الزمن، تصله صورة الصندل. يا للعجب!! كما قال.
وأقول لنفسي، وأخيراً، بإمكانه بعد شهر ونصف تقريبا من الإنتظار أن يطلب الصندل الذي أرسلت له صورته. فالصيف الحار يهجم بقوة. وفي سجن الجلبوع، في غور الأردن تصل درجات الحرارة إلى مستويات لا يمكن تصورها. ويتصبب السجناء السياسيون عرقاً ولا يمكن لهم الإتكاء بأجسادهم على الجدران التي لا تمتص الحرارة بل تشعها.
وللصندل قصة، كما لفحص الدم الذي طلبه قصة. كما للبطاقة البريدة التي أرسلتها له إبنتنا هند من إسبانيا ولم تصل، حتى بعد عودتها للبلاد، قصة . ولترتيب موعد زيارة الأهل مرة كل أسبوعين، قصة.
 يصبح في سجنهم، كل موضوع بسيط، من المفترض أن لا يشغلنا قصة تمتد تفاصيلها على مدار أيام وأسابيع. كل موضوع بسيط، من المفترض أن لا يشغلنا،  يصبح قصة وقضية تمتد تفاصيلها  لأيام وأسابيع. لأن البيروقراطية في سجونهم تشكل محورًا اساسيًا لتعاملهم مع السجناء وعائلاتهم. فيشغلوننا بالتفاصيل التي هي بالعادة غير مهمة، لكنها تصبح مهمة وآنية في سجنهم. كم من الوقت نصرف ومن الأعصاب على متابعة قضايا بيروقراطية أمام السجون. وهو المطلوب كما يبدو، كي ننشغل عن العمل الأساسي،  والمطلب السياسي، لكن رغم وعينا بذلك، لا يمكننا التساهل مع البيروقراطية لأنها تؤثر مباشرة على حياة السجناء وعلى حيثيات حياتهم اليومية داخل السجن.

أما الصندل فقصته تتلخص بأن زوجي طلب مني في آخر رسالة وصلتني منه، بأن أحضر له معي "كتالوج" صنادل من حوانيت حيفا في الزيارة القادمة. وذلك لأن دكان السجن ليس فيه صندل بمقاس رجله، بسبب نمرتها الكبيرة.  وعليه أخبروه أن يطلب مني ذلك. وسيقوم المزود المعتمد من السجن بطلبها بنفسه.  وهذا كله لأننا كأهل ممنوعون من إحضار الصنادل والأحذية إلى المساجين السياسيين. وعليهم أن يشتروها بأنفسهم من خلال الكانتينا، تحويل مالي شهري نقوم به نحن العائلات إلى حساب السجين الخاص والذي يدار من قبل السجن، وطبعًا تخصم منه عمولات يستفيد منها السجن ومصلحة البريدالتي يتم تحوي المبلغ عن طريقها.

 وللحصول على كتالوج الصندل ذهبت إلى دكان خاص إعتاد أمير أن يشتري الصنادل منه. ولم يكن عند صاحب المحل كتالوج خاص بالمعروضات. وبعد تفكير مطول، إهتديت إلى فكرة تصويره بكاميرا الهاتف الخلوي. وهكذا فعلت. فصورته من الأمام والجنب، وعدت للبيت.

إنشغلت لساعات طويلة بتنزيل برنامج يربط الهاتف الخلوي بالحاسوب، وأخيرًا نجحت، بعد أن كدت أصاب باليأس، وتمكنت من وضع الصور على حاسوبي. وكانت المرحلة التالية، هي نقلها إلىديسك، ومن هناك إلى المصور حاتم وطباعتها ومن هناك إلى البريد والإنتظار بالدور، وإرسالها إلى زوجي. وحرصاً مني على وصولها بسرعة قمت بإرسال نسخة من صورة الصندل بالفاكس، مرفقة برسالة كتبتها في البيت له. فذهبت إلى مكتبة  إلياس للأدوات القرطاسية وأرسلت الفاكس من عنده. وكان شعوري بالنجاح يغمرني وشعوري بقهر القهر يحملني.
ولم أعرف ما حدث للصورة  وإذا كان أمير قد إشترى الصندل، إلا عندما التقيت به وسألته عنه للمرة الأولى:
- هل أعطوك نسخة من الصورة التي أرسلتها لك بالفاكس؟
- لا!
- وماذا عن الصورة التي أرفقتها مع رسالتي من قبل أسبوع، ألم تصل؟
- لا ، لم أستلم شيئًا.



* جنان عبده: ناشطة وباحثة فلسطينية مقيمة في حيفا . ساهمت في إقامة وإدارة بعض الأطر الأهلية والنسوية. لها عدد من الأبحاث والمقالات نشرت في كتب ودوريات، منها: مجلة الدراسات الفلسطينيّة ؛ دورية معهد دراسات المرأة في جامعة بير زيت؛ مجلة الرائدة (الجامعة الأمريكية في لبنان)؛ مجلة رؤية أخرى (مركز المعلومات البديلة)؛ مجلة جدل الإلكترونية( مدى الكرمل). من إصداراتها: الجمعيّات النسائيّة والنسويّة الفلسطينيّة في مناطق 48. (مركز مدى الكرمل، حيفا 2008)

منذ إعتقال زوجها القيادي والناشط السياسي، السيد أميرمخول، 6.5.2010، من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، ساهمت في تشكيل اللجنة الشعبية للدفاع عن قضيته، وتنشط في رفع قضية الأسرى السياسيين في السجون الإسرائيلية- أسرى الحرية لمحافل دولية ولتجنيد الدعم والتضامن الدولي والمحلي للقضية الفلسطينية وتسليط الضوء على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.

----------------------------------




عن موقع جدلية يوم 5.6.2011:

No comments: